ابن الأثير

608

الكامل في التاريخ

فلمّا علم دبيس الحال كتب إلى الخليفة يستعطفه ويسأله الرضا عنه ، فلم يجب إلى ذلك ، وأخرجت خيام الخليفة في العشرين من ذي الحجّة من سنة ستّ عشرة [ وخمسمائة ] ، فنادى أهل بغداذ : النفير النفير ، الغزاة الغزاة ! وكثر الضجيج من الناس ، وخرج منهم عالم كثير لا يحصون كثرة ، وبرز الخليفة رابع عشر ذي الحجّة ، وعبر دجلة وعليه قباء أسود ، وعمامة سوداء ، وطرحة ، وعلى كتفه البردة ، وفي يده القضيب ، وفي وسطه منطقة حديد صينيّ ، ونزل الخيام ومعه وزير نظام الدين أحمد بن نظام الملك ، ونقيب الطالبيّين ، ونقيب النقباء عليّ بن طراد ، وشيخ الشيوخ صدر الدين إسماعيل وغيرهم من الأعيان . وكان البرسقيّ قد نزل بقرية جهار طاق ، ومعه عسكره ، فلمّا بلغهم خروج الخليفة عن بغداذ عادوا إلى خدمته ، فلمّا رأوا الشمسة ترجّلوا بأجمعهم ، وقبّلوا الأرض بالبعد منه . ودخلت هذه السنة ، فنزل الخليفة ، مستهلّ المحرّم ، بالحديثة ، بنهر الملك ، واستدعى البرسقيّ والأمراء ، واستحلفهم على المناصحة في الحرب ، ثم ساروا إلى النّيل ، ونزلوا بالمباركة ، وعبّأ البرسقيّ أصحابه ، ووقف الخليفة من وراء الجميع في خاصّته ، وجعل دبيس أصحابه صفّا واحدا ، ميمنة ، وميسرة ، وقلبا ، وجعل الرجّالة بين يدي الخيّالة بالسلاح ، وكان قد وعد أصحابه بنهب بغداذ ، وسبي النساء ، فلمّا تراءت الفئتان بادر أصحاب دبيس ، وبين أيديهم الإماء يضربن بالدفوف ، والمخانيث بالملاهي ، ولم ير في عسكر الخليفة غير قارئ ، ومسبّح ، وداع ، فقامت الحرب على ساق . وكان مع أعلام الخليفة الأمير كرباوي بن خراسان ، وفي الساقة سليمان ابن مهارش ، وفي ميمنة عسكر البرسقيّ الأمير أبو بكر بن إلياس مع الأمراء البكجيّة ، فحمل عنتر بن أبي العسكر في طائفة من عسكر دبيس على ميمنة