ابن الأثير
574
الكامل في التاريخ
حتّى صار الخبز معدوما عندهم ، وكان يطبخ لهم كلّ يوم من الحساء ما يكفيهم ، فكان قوت كلّ واحد منهم أن يغمس يده في ذلك الحساء ويخرجها ، فما علق عليها قنع به ذلك اليوم ، فاجتمع أعيان أهل تين ملّل ، وأرادوا إصلاح الحال مع أمير المسلمين ، فبلغ الخبر بذلك المهدي بن تومرت ، وكان معه إنسان يقال له أبو عبد اللَّه الونشريشي « 1 » ، يظهر البله ، وعدم المعرفة بشيء من القرآن والعلم ، وبزاقه يجري على صدره ، وهو كأنّه معتوه ، ومع هذا فالمهدي يقرّبه ، ويكرمه ، ويقول : إنّ للَّه سرّا في هذا الرجل سوف يظهر . وكان الونشريشيّ يلزم الاشتغال بالقرآن والعلم في السرّ بحيث لا يعلم أحد ذلك منه ، فلمّا كان سنة تسع عشرة [ وخمسمائة ] ، وخاف المهديّ من أهل الجبل ، خرج يوما لصلاة الصّبح ، فرأى إلى جانب محرابه إنسانا حسن الثياب ، طيّب الريح ، فأظهر أنّه لا يعرفه ، وقال : من هذا ؟ فقال : أنا أبو عبد اللَّه الونشريشيّ ! فقال له المهديّ : إنّ أمرك لعجب ! ثم صلّى ، فلمّا فرغ من صلاته نادى في الناس فحضروا ، فقال : إنّ هذا الرجل يزعم أنّه الونشريشيّ ، فانظروه ، وحقّقوا أمره . فلمّا أضاء النهار [ 1 ] عرفوه ، فقال له المهديّ : ما قصّتك ؟ قال : إنّني أتاني الليلة ملك من السماء ، فغسل قلبي ، وعلّمني اللَّه القرآن ، والموطّأ ، وغيره من العلوم والأحاديث . فبكى المهديّ بحضرة الناس ، ثم قال له : نحن نمتحنك ، فقال : افعل . وابتدأ يقرأ القرآن قراءة حسنة من أيّ موضع سئل ، وكذلك الموطّأ ، وغيره من كتب الفقه والأصول ، فعجب الناس من ذلك ، واستعظموه . ثم قال لهم : إنّ اللَّه تعالى قد أعطاني نورا أعرف به أهل الجنّة من أهل
--> [ 1 ] النهر . ( 1 ) sitcnupenis . doc .