ابن الأثير

575

الكامل في التاريخ

النار ، وآمركم أن تقتلوا أهل النار ، وتتركوا أهل الجنّة ، وقد أنزل اللَّه تعالى ملائكة إلى البئر التي في المكان الفلاني يشهدون بصدقي . فسار المهديّ ، والناس معه وهم يبكون ، إلى تلك البئر ، وصلّى المهديّ عند رأسها ، وقال : يا ملائكة اللَّه ، إنّ أبا عبد اللَّه الونشريشيّ قد زعم كيت وكيت ، فقال من بها : صدق ! وكان قد وضع فيها رجالا يشهدون بذلك ، فلمّا قيل ذلك من البئر ، قال المهدي : إنّ هذه مطهّرة مقدّسة قد نزل إليها الملائكة ، والمصلحة أن تطمّ لئلّا يقع فيها نجاسة ، أو ما لا يجوز ، فألقوا فيها من الحجارة والتراب ما طمّها ، ثم نادى في أهل الجبل بالحضور إلى ذلك المكان ، فحضروا للتمييز [ 1 ] ، فكان الونشريشيّ يعمد إلى الرجل الّذي يخاف ناحيته ، فيقول : هذا من أهل النار ، فيلقى من الجبل مقتولا ، وإلى الشاب الغرّ ، ومن لا يخشى ، فيقول : هذا من أهل الجنّة ، فيترك على يمينه ، فكان عدّة القتلى سبعين ألفا . فلمّا فرغ من ذلك أمن على نفسه وأصحابه واستقام أمره . هكذا سمعت جماعة من فضلاء المغاربة يذكرون في التمييز ، وسمعت منهم من يقول : إنّ ابن تومرت لمّا رأى كثرة أهل الشرّ والفساد في أهل الجبل ، أحضر شيوخ القبائل ، وقال لهم : إنّكم لا يصحّ لكم دين ، ولا يقوى إلّا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإخراج المفسد من بينكم ، فابحثوا عن كلّ من عندكم من أهل الشرّ والفساد ، فانهوهم عن ذلك ، فإن انتهوا ، وإلّا فاكتبوا أسماءهم وارفعوها إليّ لأنظر في أمرهم . ففعلوا ذلك ، وكتبوا له أسماءهم من كلّ قبيلة ، ثم أمرهم بذلك مرّة ثانية ، وثالثة ، ثم جمع المكتوبات فأخذ منها ما تكرّر من الأسماء فأثبتها عنده ، ثم جمع الناس قاطبة ، ورفع الأسماء التي كتبها ، ودفعها إلى الونشريشيّ المعروف بالبشير ، وأمره أن يعرض القبائل ، ويجعل أولئك المفسدين في جهة الشمال ، ومن عداهم في جهة اليمين ،

--> [ 1 ] للتمئيز .