ابن الأثير
573
الكامل في التاريخ
عليهم وهم غارّون فقتلوهم في ذلك المسجد ، ثم دخل المدينة فقتل فيها وأكثر ، وسبى [ 1 ] الحريم ، ونهب الأموال ، فكان عدّة القتلى خمسة عشر ألفا ، وقسّم المساكن والأرض بين أصحابه ، وبنى [ 2 ] على المدينة سورا ، وقلعة على رأس جبل عال . وفي جبل تين ملّل أنهار جارية ، وأشجار ، وزروع ، والطريق إليه صعب ، فلا جبل أحصن منه ، وقيل : إنّه لمّا خاف أهل تين ملّل نظر ، فرأى كثيرا من أولادهم شقرا زرقا ، والّذي يغلب على الآباء السّمرة ، وكان لأمير المسلمين عدّة كثيرة من المماليك الفرنج والروم ، ويغلب على ألوانهم الشّقرة ، وكانوا يصعدون الجبل في كلّ عام مرّة ، ويأخذون ما لهم فيه من الأموال المقرّرة لهم من جهة السلطان ، فكانوا يسكنون بيوت أهله ، ويخرجون أصحابها منها ، فلمّا رأى المهدي أولادهم سألهم : ما لي أراكم سمر الألوان ، وأرى أولادكم شقرا ، زرقا ؟ فأخبروه خبرهم مع مماليك أمير المسلمين ، فقبّح الصبر على هذا ، وأزرى عليهم ، وعظّم الأمر عندهم ، فقالوا له : فكيف الحيلة في الخلاص منهم ، وليس لنا بهم قوّة ؟ فقال : إذا حضروا عندكم في الوقت المعتاد ، وتفرّقوا في مساكنهم ، فليقم كلّ رجل منكم إلى نزيله فيقتله ، واحفظوا جبلكم ، فإنّه لا يرام ولا يقدر عليه . فصبروا حتّى حضر أولئك العبيد ، فقتلوهم على ما قرّر لهم المهدي ، فلمّا فعلوا ذلك خافوا على نفوسهم من أمير المسلمين ، فامتنعوا في الجبل ، وسدّوا ما فيه من طريق يسلك إليهم ، فقويت نفس المهدي بذلك . ثم إنّ أمير المسلمين أرسل إليهم جيشا قويّا ، فحصروهم في الجبل ، وضيّقوا عليهم ، ومنعوا عنهم الميرة ، فقلّت عند أصحاب المهدي الأقوات ،
--> [ 1 ] وسبا . [ 2 ] وبنا .