ابن الأثير
511
الكامل في التاريخ
على جاري العادة ، والعساكر في أثره متلاحقة ، وهم آمنون لا يظنّون أحدا يقدم على القرب منهم . وكان روجيل « 1 » ، صاحب أنطاكية ، لمّا بلغه حصر كفرطاب ، سار في خمسمائة فارس وألفي راجل للمنع ، فوصل إلى المكان الّذي ضربت فيه خيام المسلمين ، على غير علم بها ، فرآها خالية من الرجال المقاتلة ، لأنّهم لم يصلوا إليها ، فنهب جميع ما هناك ، وقتل كثيرا من السوقيّة ، وغلمان العسكر ، ووصلت العساكر متفرّقة ، فكان الفرنج يقتلون كلّ من وصل إليهم . ووصل الأمير برسق في نحو مائة فارس ، فرأى الحال ، فصعد تلّا هناك ، ومعه أخوه زنكي ، وأحاط بهم من السوقيّة والغلمان ، واحتموا بهم ، ومنعوا الأمير برسق من النزول ، فأشار عليه أخوه ومن معه بالنزول والنجاة بنفسه ، فقال : لا أفعل ، بل أقتل في سبيل اللَّه ، وأكون فداء المسلمين ، فغلبوه على رأيه ، فنجا هو ومن معه ، فتبعهم الفرنج نحو فرسخ ، ثم عادوا وتمّموا الغنيمة والقتل ، وأحرقوا كثيرا من الناس . وتفرّق العسكر ، وأخذ كلّ واحد جهة . ولمّا سمع الموكّلون بالأسرى المأخوذين من كفرطاب ذلك قتلوهم ، وكذلك فعل الموكّل بإياز بن إيلغازي قتله أيضا ، وخاف أهل حلب وغيرها من بلاد المسلمين التي بالشام ، فإنّهم كانوا يرجون النصر من جهة هذا العسكر ، فأتاهم ما لم يكن في الحساب ، وعادت العساكر عنهم [ 1 ] إلى بلادها . وأمّا برسق وأخوه زنكي فإنّهما توفّيا في سنة عشر وخمسمائة ، وكان برسق خيّرا ، ديّنا ، وقد ندم على الهزيمة ، وهو يتجهّز للعود إلى الغزاة ، فأتاه أجله .
--> [ 1 ] منهم . ( 1 ) . روحيل . ddoC