ابن الأثير

179

الكامل في التاريخ

أحسن ما يكون ، وأردنا إتحافك به ، وأحضروها بين يديه ، فلمّا رآه أمر بإحضار خبز ، وأمر أولئك الذين أهدوا إليه العسل أن يأكلوا منه ، فامتنعوا ، واستعفوه من أكله ، فلم يقبل منهم ، وقال : من لم يأكل قتل بالسيف ، فأكلوا ، فماتوا عن آخرهم . فكتب إلى يوسف بن تاشفين : إنّك قد أردت قتلي بكلّ وجه ، فلم يظفّرك اللَّه بذلك ، فكفّ عن شرّك « 1 » ، فقد أعطاك اللَّه المغرب بأسره ، ولم يعطني غير هذا الجبل ، وهو في بلادك كالشامة البيضاء في الثور الأسود ، فلم تقنع بما أعطاك اللَّه ، عزّ وجلّ . فلمّا رأى يوسف أنّ سرّه قد انكشف وأنّه لا يمكنه في أمره شيء لحصانة جبله أعرض عنه وتركه . ذكر ملك العرب مدينة سوسة وأخذها منهم في هذه السنة نقض ابن علويّ ما بينه وبين تميم بن المعزّ بن باديس أمير إفريقية من العهد ، وسار في جمع من عشيرته العرب ، فوصل إلى مدينة سوسة من بلاد إفريقية ، وأهلها غارّون لم يعلموا به ، فدخلها عنوة ، وجرى بينه وبين من بها من العسكر والعامّة قتال ، فقتل من الطائفتين جماعة وكثر القتل في أصحابه والأسر ، وعلم أنّه لا يتمّ له مع تميم حال ، ففارقها ، وخرج منها إلى حلّته من الصحراء . وكان بإفريقية هذه السنة غلاء شديد ، وبقي كذلك إلى سنة أربع وثمانين [ وأربعمائة ] ، وصلحت أحوال أهلها ، وأخصبت البلاد ، ورخصت الأسعار ، وأكثر أهلها الزرع .

--> ( 1 ) سريرتك . a .