ابن الأثير

549

الكامل في التاريخ

ولقي بعض المنهزمين علان بن كشمرد ، فأخبروه خبرهم ، وقالوا له : ما بينك وبينهم إلا القليل ، ولو رأوك لقويت نفوسهم ، فاللَّه اللَّه فيهم ! فقال : لا أعرّض أصحاب السلطان للقتل . ورجع هو وأصحابه . وكتب من نجا من الحجّاج من هذه القافلة الثانية إلى رؤساء القافلة الثالثة من الحجّاج يعلمونهم ما جرى من القرامطة ، ويأمرونهم بالتحذّر ، والعدول عن الجادّة نحو واسط والبصرة ، والرجوع إلى فيد والمدينة إلى أن تأتيهم جيوش السلطان ، فلم يسمعوا ، ولم يقيموا . وسارت القرامطة من العقبة بعد أخذ الحاجّ ، وقد طمّوا الآبار والبرك بالجيف ، والتراب ، والحجارة ، بواقصة ، والثعلبية ، والعقبة ، وغيرها من المناهل في جميع طريقهم ، وأقام [ زكرويه ] بالهبير ينتظر القافلة الثالثة ، فساروا فصادفوه هناك ، فقاتلهم زكرويه ثلاثة أيّام ، وهم على غير ماء ، فاستسلموا لشدّة العطش ، فوضع فيهم السيف وقتلهم عن آخرهم ، وجمع القتلى كالتلّ ، وأرسل خلف المنهزمين من يبذل لهم الأمان ، فلمّا رجعوا قتلهم ، وكان في القتلى مبارك القمّيُّ ، وولده أبو العشائر بن حمدان . وكان نساء القرامطة يطفن بالماء بين القتلى يعرضن عليهم الماء ، فمن كلّمهن قتلنه ، فقيل إنّ عدّة القتلى بلغت عشرين ألفا ، ولم ينج إلّا من كان بين القتلى فلم يفطن له فنجا بعد ذلك ، ومن هرب عند اشتغال القرامطة بالقتل والنهب ، فكان من مات من هؤلاء أكثر ممّن سلم ومن استعبدوه ، وكان مبلغ ما أخذوه من هذه القافلة ألفي ألف دينار . وكان في جملة ما أخذوا فيها أموال الطولونيّة وأسبابهم ، فإنّهم لمّا عزموا على الانتقال من مصر إلى بغداذ خافوا أن يستصحبوها فتؤخذ منهم ، فعملوا الذهب والنقرة سبائك ، وجعلوها في حدائج الجمال ، وجميع ما لهم من الحلي والجوهر ، وسيّروا إلى مكّة سرّا ، * وسار من مكّة في هذه