ابن الأثير
357
الكامل في التاريخ
وكان سليمان بن جامع لمّا رأى ظهور أبي العبّاس سار في النهر مصعدا في جمع كبير ، ثمّ أتى أصحاب أبي العبّاس من خلفهم ، وهم يحاربون من بإزائهم ، وخفقت طبوله ، فانكشف أصحاب أبي العبّاس ، ورجع عليهم من كان انهزم عنهم من الزنج ، فأصيب جماعة من غلمان الموفّق وغيرهم ، فأخذ الزنج عدّة أعلام ، وحامي أبو العبّاس عن أصحابه ، فسلم أكثرهم ثمّ انصرف . وطمع الزنج بهذه الوقعة ، وشدّت قلوبهم ، فأجمع الموفّق على العبور إلى مدينتهم بجيوشه أجمع ، وأمر الناس بالتأهّب ، وجمع المعابر والسفن وفرّقها عليهم ، وعبر يوم الأربعاء لستّ بقين من ذي الحجّة ، وفرّق أصحابه على المدينة ليضطرّ الخبيث إلى تفرقة « 1 » أصحابه ، وقصد الموفّق إلى ركن من أركان المدينة ، وهو أحصن ما فيها ، وقد أنزله الخبيث ابنه ، وهو انكلاي « 2 » ، وسليمان ابن جامع ، وعليّ بن أبان وغيرهم ، وعليه من المجانيق والآلات للقتال ما لا حدّ [ له ] . فلمّا التقى الجمعان أمر الموفّق غلمانه بالدنوّ من ذلك الركن ، وبينهم وبين ذلك السور نهر الأتراك ، وهو نهر عريض كثير الماء ، فأحجموا عنه ، فصاح بهم الموفّق ، وحرّضهم على العبور ، فعبروا سباحة ، والزنج ترميهم بالمجانيق ، والمقاليع ، والحجارة ، والسهام ، فصبروا حتّى جاوزوا النهر وانتهوا إلى السور ، ولم يكن عبر معهم من الفعلة من كان أعدّ لهدم السور ، فتولّى الغلمان تشعيث السور بما كان معهم من السلاح ، وسهّل اللَّه تعالى ذلك ، وكان معهم بعض السلاليم ، فصعدوا على ذلك الركن « 3 » ، ونصبوا علما من أعلام الموفّق ، فانهزم الزنج عنه ، وأسلموه بعد قتال شديد ، وقتل من الفريقين خلق كثير ، ولمّا علا أصحاب الموفّق السور أحرقوا ما كان عليه من منجنيق وقوس وغير ذلك .
--> ( 1 ) . تفريق . B ( 2 ) . انكلاني . B ( 3 ) . السور . A