ابن الأثير

35

الكامل في التاريخ

وكان الجبل في ظهورنا فلا يأتونا من خلفنا وكان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ينصرنا اللَّه . فرجع ، فلمّا أصبح جمع الناس ورحل بهم إلى سفح الجبل ، وكان معه من أهل البصرة عشرة آلاف ومن أهل الكوفة نحو منهم ، وأقبلت الترك ومن معها فنزلت وجعلوا يغادونهم القتال ويراوحونهم وفي الليل يتنحون عنهم . فخرج الأحنف ليلة طليعة لأصحابه حتى إذا كان قريبا من عسكر خاقان وقف ، فلمّا كان وجه الصبح خرج فارس [ من ] الترك بطوقه فضرب بطبله ثمّ وقف من العسكر موقفا يقفه مثله ، فحمل عليه الأحنف فتقاتلا فطعنه الأحنف فقتله وأخذ طوق التركي ووقف ، فخرج آخر من الترك ففعل فعل صاحبه ، فحمل عليه الأحنف فتقاتلا فطعنه فقتله وأخذ طوقه ووقف ، ثمّ خرج الثالث من الترك ففعل فعل الرجلين ، فحمل عليه الأحنف فقتله ، ثمّ انصرف الأحنف إلى عسكره . وكانت عادة الترك أنّهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم أكفاء كلّهم يضرب بطبله ثمّ يخرجون بعد خروج الثالث . فلمّا خرجوا تلك الليلة بعد الثالث فأتوا على فرسانهم مقتّلين تشاءم خاقان وتطيّر فقال : قد طال مقامنا وقد أصيب فرساننا ، ما لنا في قتال هؤلاء القوم خير ، فرجعوا . وارتفع النهار للمسلمين ولم يروا منهم أحدا ، وأتاهم الخبر بانصراف خاقان والترك إلى بلخ ، وقد كان يزدجرد ترك خاقان مقابل المسلمين بمروالروذ وانصرف إلى مرو الشاهجان ، فتحصّن حارثة بن النعمان ومن معه ، فحصرهم واستخرج خزائنه من موضعها وخاقان مقيم ببلخ . فلمّا جمع يزدجرد خزائنه ، وكانت كبيرة عظيمة ، وأراد أن يلحق بخاقان قال له أهل فارس : أيّ شيء تريد أن تصنع ؟ قال : أريد اللحاق بخاقان فأكون معه أو بالصين . قالوا له : إن هذا رأي سوء ، ارجع بنا إلى