ابن الأثير
26
الكامل في التاريخ
بني مدلج يتصيّد في سبعة نفر وسلكوا غرب المدينة ، فلمّا رجعوا اشتدّ عليهم الحرّ فأخذوا على جانب البحر ، ولم يكن السور متصلا بالبحر ، وكانت سفن الروم في مرساها مقابل بيوتهم ، فرأى المدلجي وأصحابه مسلكا بين البحر والبلد فدخلوا منه وكبّروا ، فلم يكن للروم ملجأ إلّا سفنهم لأنّهم ظنوا أن المسلمين قد دخلوا البلد ، ونظر عمرو ومن معه فرأى السيوف في المدينة وسمعوا الصياح ، فأقبل بجيشه حتى دخل عليهم البلد ، فلم يفلت الروم إلّا بما خف معهم في مراكبهم . وكان أهل حصن سبرة قد تحصنوا لما نزل عمرو على طرابلس ، فلمّا امتنعوا عليه بطرابلس أمنوا واطمأنّوا ، فلمّا فتحت طرابلس جنّد عمرو عسكرا كثيفا وسيّره إلى سبرة ، فصبحوها وقد فتح أهلها الباب وأخرجوا مواشيهم لتسرح لأنّهم لم يكن بلغهم خبر طرابلس ، فوقع المسلمون عليهم ودخلوا البلد مكابرة وغنموا ما فيه وعادوا إلى عمرو . ثمّ سار عمرو بن العاص إلى برقة وبها لواتة ، وهم من البربر . وكان سبب مسير البربر إليها وإلى غيرها من الغرب أنّهم كانوا بنواحي فلسطين من الشام وكان ملكهم جالوت ، فلمّا قتل سارت البرابر وطلبوا الغرب حتى إذا انتهوا إلى لوبية ومراقية ، وهما كورتان من كور مصر الغربيّة ، تفرّقوا فسارت زناتة ومغيلة ، وهما قبيلتان من البربر ، إلى الغرب فسكنوا الجبال ، وسكنت لواتة أرض برقة ، وتعرف قديما بأنطابلس ، وانتشروا فيها حتى بلغوا السوس ، ونزلت هوارة مدينة لبدة ، ونزلت نفوسة إلى مدينة سبرة وجلا من كان بها من الروم لذلك ، وقام الأفارق ، وهم خدم الروم ، على صلح يؤدّونه إلى من غلب على بلادهم . وسار عمرو بن العاص ، كما ذكرنا ، فصالحه أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها جزية وشرطوا أن يبيعوا من أرادوا من أولادهم في جزيتهم .