ابن الأثير

112

الكامل في التاريخ

ما تنكر ؟ ألسنا نقرأه على قراءة ابن مسعود ؟ فغضب حذيفة ومن وافقه ، وقالوا : إنّما أنتم أعراب فاسكتوا فإنّكم على خطأ . وقال حذيفة : واللَّه لئن عشت لآتينّ أمير المؤمنين ، ولأشيرنّ عليه أن يحول بين الناس وبين ذلك . فأغلظ له ابن مسعود ، فغضب سعيد وقام وتفرّق الناس ، وغضب حذيفة وسار إلى عثمان فأخبره بالذي رأى ، وقال : أنا النذير العريان فأدركوا الأمة . فجمع عثمان الصحابة وأخبرهم الخبر ، فأعظموه ورأوا جميعا ما رأى حذيفة . فأرسل عثمان إلى حفصة بنت عمر : أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها . وكانت هذه الصحف هي التي كتبت في أيّام أبي بكر ، فإن القتل لما كثر في الصحابة يوم اليمامة قال عمر لأبي بكر : إن القتل قد كثر واستحرّ بقراء القرآن يوم اليمامة ، وإنّي أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء فيذهب من القرآن كثير ، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن ، فأمر أبو بكر زيد بن ثابت فجمعه من الرّقاع والعسب وصدور الرجال ، فكانت الصحف عند أبي بكر ثمّ عند عمر ، فلمّا توفي عمر أخذتها حفصة فكانت عندها . فأرسل عثمان إليها [ من ] أخذها منها وأمر زيد بن ثابت وعبد اللَّه بن الزّبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام فنسخوها في المصاحف ، وقال عثمان : إذا اختلفتم فاكتبوها بلسان قريش فإنّما نزل بلسانهم ، ففعلوا . فلمّا نسخوا الصحف ردّها عثمان إلى حفصة وأرسل إلى كلّ أفق بمصحف وحرق ما سوى ذلك وأمر أن يعتمدوا عليها ويدعوا ما سوى ذلك . فكلّ الناس عرف فضل هذا الفعل إلّا ما كان من أهل الكوفة ، فإن المصحف لما قدم عليهم فرح به أصحاب النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وإن أصحاب عبد اللَّه ومن وافقهم امتنعوا من ذلك وعابوا الناس ، فقام فيهم ابن مسعود وقال : ولا كلّ ذلك فإنّكم واللَّه قد سبقتم سبقا بيّنا فاربعوا على ظلعكم . ولما قدم عليّ الكوفة قام إليه رجل فعاب عثمان بجمع الناس على المصحف ، فصاح به وقال : اسكت فعن ملإ منّا فعل ذلك ، فلو وليت منه ما ولي عثمان لسلكت سبيله .