ابن الأثير

64

الكامل في التاريخ

اللَّه عليه وسلّم ، لما هو عليه . ثمّ شري [ 1 ] الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال فتضاغنوا وأكثرت قريش ذكر رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وتذامروا [ 2 ] فيه ، فمشوا إلى أبي طالب مرّة أخرى فقالوا : يا أبا طالب إنّ لك سنّا وشرفا ، وإنّا قد اشتهيناك أن تنهى ابن أخيك فلم تفعل ، وإنّا واللَّه لا نصبر على هذا من شتم آلهتنا وآبائنا وتسفيه أحلامنا حتى تكفّه عنّا أو ننازله وإيّاك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين ، أو كما قالوا ، ثمّ انصرفوا عنه . فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم له ولم تطب نفسه بإسلام رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وخذلانه ، وبعث إلى رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فأعلمه ما قالت قريش وقال له : أبق على نفسك وعليّ ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق . فظنّ رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، أنّه قد بدا لعمّه [ بدو ] وأنّه خذله وقد ضعف عن نصرته ، فقال رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم : يا عمّاه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللَّه أو أهلك فيه ما تركته . ثمّ بكى رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وقام . فلمّا ولّى ناداه أبو طالب ، فأقبل عليه وقال : اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت ، فو اللَّه لا أسلمك لشيء أبدا . فلمّا علمت قريش أنّ أبا طالب لا يخذل رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وأنّه يجمع لعداوتهم مشوا بعمارة بن الوليد فقالوا : يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد فتى قريش وأشعرهم وأجملهم ، فخذه فلك عقله ونصرته فاتّخذه ولدا ، وأسلم لنا ابن أخيك هذا الّذي سفّه أحلامنا وخالف دينك ودين

--> [ 1 ] سرى . ( وشري الأمر : اشتدّ واستطال ) . [ 2 ] وقد توامروا . ( وتذامر القوم : تلاوموا ، تحاضّوا على القتال ) .