ابن الأثير
37
الكامل في التاريخ
عدنا إلى ذكر النبي توفّي عبد المطّلب بعد الفيل بثماني سنين ، وأوصى أبا طالب برسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم . فكان أبو طالب هو الّذي قام بأمر النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، بعد جدّه ، ثمّ إنّ أبا طالب خرج إلى الشام ، فلمّا أراد المسير لزمه رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فرّق له وأخذه معه ، ولرسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، تسع سنين . فلمّا نزل الركب بصرى من أرض الشام ، وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له ، وكان ذا علم في النصرانيّة ، ولم يزل بتلك الصومعة راهب يصير إليه علمهم ، وبها كتاب يتوارثونه . فلمّا رآهم بحيرا صنع لهم طعاما كثيرا ، وذلك لأنّه رأى على رسول اللَّه غمامة تظلّه من بين القوم ، ثمّ أقبلوا حتى نزلوا في ظلّ شجرة قريبا منه ، فنظر إلى الشجرة وقد هصرت أغصانها حتى استظلّ بها ، فنزل إليهم من صومعته ودعاهم . فلمّا رأى بحيرا رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده كان يجدها من صفته . فلمّا فرغ القوم من الطعام وتفرّقوا ، سأل النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، عن أشياء من حاله في يقظته ونومه فوجدها بحيرا موافقة لما عنده من صفته ، ثمّ نظر إلى خاتم النبوّة بين كتفيه ، ثمّ قال بحيرا لعمّه أبي طالب : ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابني . قال : ما ينبغي أن يكون أبوه حيّا . قال : فإنّه ابن أخي مات أبوه وأمّه حبلى به . قال : صدقت ، ارجع به إلى بلدك واحذر عليه يهود ، فو اللَّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنّه شرّا ، فإنّه كائن له شأن عظيم .