ابن الأثير

508

الكامل في التاريخ

ليلا وقد قسم الغنيمة وجيء بالشمع فأطعم الناس تمرا وسمنا ، فلمّا أكل الناس نادى : من جاء بحزمة حطب فله قدرة « 1 » تمر . فجاء سدوس وصليع بحطب وأخذا قدرتين « 2 » من تمر وجلسا قريبا من قبّته . ثمّ انصرف صليع إلى حجر فأخبره بعسكر زياد وأراه التمر . وأمّا سدوس فقال : لا أبرح حتّى آتيه بأمر جليّ . وجلس مع القوم يتسمّع ما يقولون ، وهند امرأة حجر خلف زياد ، فقالت لزياد : إنّ هذا التمر أهدي إلى حجر من هجر ، والسمن من دومة الجندل . ثمّ تفرّق أصحاب زياد عنه ، فضرب سدوس يده إلى جليس له وقال له : من أنت ؟ مخافة أن يستنكره الرجل . فقال : أنا فلان بن فلان . ودنا سدوس من قبّة زياد بحيث يسمع كلامه ، ودنا زياد من امرأة حجر فقبّلها وداعبها وقال لها : ما ظنّك الآن بحجر ؟ فقالت : ما هو ظنّ ولكنّه يقين ، إنّه واللَّه لن يدع طلبك حتّى تعاين القصور الحمر ، يعني قصور الشام ، وكأنّي به في فوارس من بني شيبان يذمرهم ويذمرونه وهو شديد الكلب تزبد « 3 » شفتاه كأنّه بعير أكل مرارا ، فالنجاء النجاء ! فإنّ وراءك طالبا حثيثا ، وجمعا كثيفا ، وكيدا متينا ، ورأيا صليبا . فرفع يده فلطمها ثمّ قال لها : ما قلت هذا إلّا من عجبك به وحبّك له ! فقالت : واللَّه ما أبغضت أحدا بغضي له ولا رأيت رجلا أحزم منه نائما ومستيقظا ، إن كان لتنام عيناه فبعض أعضائه مستيقظ ! وكان إذا أراد النوم أمرني أن أجعل عنده عسّا من لبن ، فبينا هو ذات ليلة نائم وأنا قريب منه انظر إليه ، إذا أقبل أسود سالخ إلى رأسه فنحّى رأسه ، فمال إلى يده فقبضها ، فمال إلى رجله فقبضها ، فمال إلى العسّ فشربه ثمّ مجّه . فقلت : يستيقظ فيشربه فيموت فأستريح منه . فانتبه من نومه فقال : عليّ بالإناء ، فناولته فشمّه ثمّ ألقاه فهريق . فقال : أين ذهب الأسود ؟ فقلت : ما رأيته . فقال : كذبت واللَّه !

--> ( 1 ) . قدوة . R ؛ قدح . B ( 2 ) . قدحين . B ؛ قدوتين . R ( 3 ) . تزيد . B ؛ تريد . A