ابن الأثير

408

الكامل في التاريخ

متوالية ، وغارت الأنهار والقني ، وقلّ ماء دجلة ، ومحلت الأشجار ، وهاجت عامّة الزروع في السهل والجبل من بلاده ، وماتت الطيور والوحوش ، وعمّ أهل البلاد الجوع والجهد الشديد ، فكتب إلى جميع رعيّته [ يعلمهم ] أنّه لا خراج عليهم ولا جزية ولا مئونة ، وتقدّم إليهم بأنّ كلّ من عنده طعام مذخور يواسي به النّاس وأن يكون حال الغنيّ والفقير واحدا ، وأخبرهم أنّه إن بلغه أنّ إنسانا مات جوعا بمدينة أو قرية عاقبهم ونكّل بهم ، وساس النّاس سياسة لم يعطب أحد جوعا ما خلا رجلا واحدا من رستاق أردشيرخرّه ، وابتهل فيروز إلى اللَّه بالدّعاء فأزال ذلك القحط وعادت بلاده إلى ما كانت عليه . فلمّا حيي النّاس والبلاد وأثخن في أعدائه سار مريدا حرب الهياطلة ، فلمّا سمع إخشنوار « 1 » ملكهم خافه ، فقال له بعض أصحابه : اقطع يدي ورجلي وألقني على الطريق وأحسن إلى عيالي لأحتال على فيروز . ففعل ذلك ، واجتاز به فيروز فسأله عن حاله فقال له : إنّي قلت لإخشنوار لا طاقة لك بفيروز ففعل بي هذا ، وإنّي أدلّك على طريق لم يسلكها ملك وهي أقرب . فاغترّ فيروز بذلك وتبعه ، فسار به وبجنده حتى قطع بهم مفازة بعد مفازة حتى إذا علم أنّهم لا يقدرون على الخلاص أعلمهم حاله . فقال أصحاب فيروز لفيروز : حذّرناك فلم تحذر ، فليس إلّا التقدّم على كلّ حال ، فتقدّموا أمامهم فوصلوا إلى عدوّهم وهم هلكى عطشى وقتل العطش منهم كثيرا . فلمّا أشرفوا على تلك الحال صالحوا إخشنوار على أن يخلّي سبيلهم إلى بلادهم على أن يحلف له فيروز أنّه لا يغزو بلاده ، فاصطلحا ، وكتب فيروز كتابا بالصلح وعاد . فلمّا استقرّ في مملكته حملته الأنفة على معاودة إخشنوار ، فنهاه وزراؤه

--> ( 1 ) . احثوار . B ؛ اخشوار . A