ابن الأثير
368
الكامل في التاريخ
التجارة عظيم الصدقة ، وربّما نفد ماله في الصدقة ثمّ يعود يكتسب مثله ، ولولا الصدقة لكان الفقر أحبّ إليه من الغنى ، وكان يخاف بالشام أن يفتتن عن دينه ، فقصد الموصل ومعه هديّة لملكها لئلّا يجعل لأحد عليه سبيلا ، فجاءه حين جاءه وقد أحضر عظماء قومه وأوقد نارا وأعدّ أصنافا من العذاب وأمر بصنم له يقال له أفلون « 1 » فنصب ، فمن لم يسجد له عذّبه وألقي في النّار . فلمّا رأى جرجيس ما يصنع استعظمه وحدّث « 2 » نفسه بجهاده ، فعمد إلى المال الّذي معه فقسمه في أهل ملّته وأقبل عليه وهو شديد الغضب فقال له : اعلم أنّك عبد مملوك لا تملك لنفسك شيئا ولا لغيرك شيئا ، وأنّ فوقك ربّا هو الّذي خلقك ورزقك ، فأخذ في ذكر عظمة اللَّه تعالى وعيّب صنمه . فأجابه الملك بأن سأله [ 1 ] من هو ومن أين هو . فقال جرجيس : أنا عبد اللَّه وابن أمّته من التراب خلقت وإليه أعود . فدعاه الملك إلى عبادة صنمه وقال له : لو كان ربّك ملك الملكوت لرؤي [ 2 ] عليك أثره كما ترى على من حولي من ملوك قومي . فأجابه جرجيس بتعظيم أمر اللَّه وتمجيده وقال له : تعبد أفلون « 3 » الّذي لا يسمع ولا يبصر ولا يغني من ربّ العالمين ، أم تعبد الّذي قامت « 4 » بأمره السماوات والأرض ، أم تعبد طرقلينا عظيم قومك من النّاس « 5 » ، عليه السلام ، فإنّه كان آدميّا يأكل ويشرب فأكرمه اللَّه بأن جعله إنسيّا ملكيّا ،
--> [ 1 ] يسأله . [ 2 ] لرأى . ( 1 - 3 ) . وقال له أين أفلون . S ، اقلون . B ( 2 ) . وأحدث في نفسه . S ( 4 ) . يغني برب العالمين الّذي قامت . S ( 5 ) . أم يعدل فملنا عظيم قومه من الناس . S