عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

4438

بغية الطلب في تاريخ حلب

إلى ليل ثم طولبت بالمسير إلى الثغر فسرت حتى دخلت فومه ووافق ذلك يوم جمعة فوجدت في صحن الجامع قاصا يتكلم على الناس وحوله حلقة فوقفت بينهم أسمع ما يقول فذكر قصة زكريا عليه السلام والمنشار وما كان من خطاب الله عز وجل له حين هرب منهم فنادته الشجرة إلي يا زكريا فانفرجت له فدخلها وانطبقت عليه ولحقه العدو فتعلقوا بعباءته وناداهم الشيطان إلي فهذا زكريا فأن فأوحى الله إليه يا زكريا لئن صعدت منك أنه ثانية لأمحونك من ديوان النبوة فعض زكريا عليه السلام على الصبر حتى قطع بشطرين فقلت في نفسي لقد كان زكريا صبارا إلهي وسيدي لئن ابتليتني لأصبرن وسرت حتى دخلت أنطاكية فراني بعض إخواني وعلم أني أريد الثغر فدفع إلي سيفا وترسا للسبيل فدخلت الثغر وكنت حينئذ أحتشم من الله عز وجل أن أوي وراء سور خيفة من العدو فجعلت مقامي في غابة فأكون فيها بالنهار وأخرج بالليل إلى شط البحر فأغرز الحربة على الساحل وأسند الترس إليها محرابا وأتقلد سيفي وأصلي إلى الغداة فإذا صليت الصبح غدوت إلى الغابة فكنت فيها نهاري أجمع فبدوت من بعض الأيام فعبرت بشجرة بطم قد بلغ بعضه وبعضه أخضر وبعضه أحمر وقد وقع عليه الندى وهو يبرق فاستحسنته وأنسيت عهد ربي وقسمي به أني لا أمد يدي إلى شيء مما تنبت الأرض فمددت يدي إلى الشجرة فقطعت منها عنقودا وجعلت بعضه في فمي وأنا ألوكه ثم ذكرت العقد فرميته من يدي وبزقت ما كان في فمي ثم قلت حلت المحنة ورميت الترس والحربة وجلست موضعي يدي على رأسي فما استقر بي جلوسي حتى داروا بي فرسان وقالوا لي قم وساقوني حتى أخرجوني إلى الساحل فإذا الأمير بياس وحوله جماعة على خيول ورجالة كثيرة وبين يديه جماعة سودان خماسين كانوا يقطعون الطريق قبل ذلك اليوم في ذلك الموضع فأسرى إليهم أمير بياس فكبسهم في السحر وأخذ من كان منهم حاضرا في الأكواخ وافترقت الخيل