السيد محسن الأمين

76

أعيان الشيعة

حواس البدن انما تتقبل ما يتصل بها مما طبعت له إذا كان وروده عليها ورودا لطيفا باعتدال لا جور فيه ، فالعين تالف المرأى الحسن ، وتقذى بالمرأى القبيح الكريه ، والأنف يقبل المشم الطيب ، ويتأذى بالنتن الخبيث ، والفم يلتذ بالمذاق الحلو ، ويمج البشع المر ، والأذن تتشوف للصوت الخفيض الساكن ، وتأذى بالجهير الهائل ، واليد تنعم بالملمس اللين الناعم ، وتتأذى بالخشن المؤذي ، وكذلك الفهم يأنس من الكلام بالعدل الصواب الحق ويتشوف إليه ، ويستوحش من الكلام الجائر ، والخطأ الباطل ، والمحال المجهول المنكر . وعلة كل حسن مقبول الاعتدال ، كما أن علة كل قبيح منفى الاضطراب . ويذكر لقبول النفس للشعر علة أخرى ، تلك هي أنها تجد الشعر مترجما عما تحس به ، فإذا ورد عليها في حالة من حالاتها ما يوافقها اهتزت له ، وحدثت لها أريحية وطرب . ولا ينسى ما للوزن من أثر في النفس ، فللشعر الموزون ايقاع يطرب الفهم لصوابه ، وما يرد عليه من حسن تركيبه ، واعتدال أجزائه . فإذا اجتمع للفهم مع صحة وزن الشعر صحة المعنى وعذوبة اللفظ ، فصفا مسموعه ومعقوله من الكدر تم قبوله له ، وان نقص جزء من أجزائه التي يعمل بها ، وهي اعتدال الوزن ، وصواب المعنى ، وحسن الألفاظ ، كان إنكار الفهم إياه على قدر نقصان اجزائه . ومثال ذلك الغناء المطرب الذي يتضاعف له طرب مستمعه المتفهم لمعناه ولفظه ، مع طيب ألحانه ، فاما المقتصر منه على طيب اللحن منه دون ما سواه فناقص الطرب . ولحسن الشعر وقبول الفهم إياه علة أخرى ، وهي موافقته للحال التي يعد معناه لها ، كالتحريض على القتال عند طلب المغالبة ، وكالغزل والنسيب عند شكوى العاشق ، واهتياج شوقه ، وحنينه إلى من يهواه . ويسجل ابن طباطبا أثر الشعر في النفس ، فيرى أنه يمازج الروح ، ويكون انفذ من نفث السحر ، وأخفى دبيبا من الرقي ، وأشد اطرابا من الغناء . ط وله مقياس يقيس به الشعر المحكم المتقن ، هو أن ينثر ، فالأشعار الأنيقة الألفاظ ، الحكيمة المعاني ، العجيبة التاليف ، هي التي إذا نقضت وجعلت نثرا ، لم تبطل جودة معانيها ، ولم تفقد جزالة تأليفها ، أما الأشعار المموهة فهي التي لا يصلح نقضها لبناء يستأنف منه . ى وهو كثيرا ما يعقد الموازنة بين الشعر والنثر ، فللشعر فصول كفصول الرسائل ، بل إنه يرى الشعر رسائل معقودة ، والرسائل شعرا محلولا . ويرى الشعر المتقن هو الذي يخرج خروج النثر في سهولة ، وعدم استكراه قوافيه . أو التكلف في معانيه . ويورد من الأمثلة ما يبين به ما بين الشعر والنثر من اخذ وعطاء . وكل ذلك مع اعترافه بما لموسيقى الشعر من أثر عميق في النفوس . ك والشعر عند ابن طباطبا أنواع : فمنه شعر محكم النسج ، متمكن القوافي ، كقول أبي ذؤيب : أمن المنون وريبها تتوجع * والدهر ليس بمعتب من يجزع وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع والنفس راغبة إذا رغبتها * وإذا ترد إلى قليل تقنع ومنه شعر حسن الألفاظ المستعذبة الرائقة سماعا ، الواهية معنى ، كقول جرير : إن الذين غدوا بلبك غادروا * وشلا بعينك لا يزال معينا غيضن من عبراتهن ، وقلن لي * ماذا لقيت من الهوى ولقينا ل وابن طباطبا لا يكتفي بما يرد على الخاطر من أول الأمر ، ولكنه يدعو إلى أن يعاود الشاعر شعره بالتهذيب والتثقيف والنقد ، وقد سبق أن رأيناه عندما كان يتحدث عن الإنتاج الأدبي يدعو الشاعر إلى أن يتأمل ما قد أداه إله طبعه . فيستقصى انتقاده ، ويرم ما وهي منه . وفي موضع آخر يدعوه إلى إلا يظهر للناس شعره الا بعد اصلاحه ، وثقته من جودته . ويرى الشاعر قديرا على التثقيف والتهذيب ، حتى يسلس له القول ، ويطرد له المعنى . م ويدعو الشعراء إلى الابتكار ، ويكره ان يعيش الشاعر كلا على الشعراء ، يغير على معانيهم ، فيودعها شعره ، ويخرجها في أوزان مخالفة لأوزان الاشعار التي يتناول منها ما يتناول ، ويتوهم ان تغييره للألفاظ والأوزان مما يستر سرقته ، أو يوجب له فضيلة . على أنه مع ذلك لا يحرم على الشاعر أن يأخذ معنى سبق به على شريطة ان يبرزه في أحسن من الكسوة التي كان عليها ، وحينئذ لا يعاب ، بل يكون له فضله واحسانه ، فلا بد من عمل يبذله الشاعر ، وجهد يؤديه ، وإلا صار شعره كالشئ المعاد المملول . وهو ، مع دعوته إلى الابتكار نبه إلى ضرورة أن تكون عين الشاعر يقظة متنبهه لما يجد في الزمن من أمور تخالف الأعصر السابقة ، ليكون في الشعر غرائب مستحسنة ، وعجائب بديعة مستطرفة من صفات وحكايات ومخاطبات في كل فن توجبه الحال التي ينشأ قول الشعر من أجلها . ن وعنى ابن طباطبا عناية خاصة بمطلع القصيدة ، وحسن التخلص فيها ، ولعل ذلك راجع إلى أن المطلع له اثره في السامع وجذب انتباهه إلى ما يلقيه الشاعر ، وللأثر الأول في النفس عمقه وبقاؤه . وعنايته بحسن التخلص ليبقى للقصيدة انسجامها وترابطها . فينبغي للشاعر أن يحترز في مفتتح أشعاره مما يتطير به ، أو يستجفى من الكلام والمخاطبات ، كذكر البكاء ، ووصف اقفار الديار ، وتشتت الآلاف ، ونعي الشباب ، وذم الزمان ، ولا سيما في القصائد التي تضمن التهاني ، وتستعمل هذه المعاني في المراثي ، ووصف الخطوب الحادثة ، حذرا ان يتطير السامع ، وإن كان يعلم أن الشاعر انما يخاطب نفسه .