السيد محسن الأمين

77

أعيان الشيعة

ويرى أن حسن التخلص ، والتلطف في وصل مقدمة القصيدة بالغرض منها ، مما أبدعه المحدثون من الشعراء ، دون من تقدمهم . ( س ) وناقدنا العربي هذا يحمل للمتقدمين كل تقدير وإكبار ، ويؤمن بما وهبوه من طبع دقيق ، فإذا اتفق لك في أشعار العرب التي يحتج بها تشبيه لا تتلقاه بالقبول فابحث عنه ، وتفر عن معناه ، فإنك لا تعدم أن تجد تحته خبيئة إذا أثرتها عرفت فضل القوم بها ، وعلمت أنهم أدق طبعا من أن يلفظوا بكلام لا معنى تحته . ولكنه مع ذلك ينقدهم ، كما رأيناه عند تصريحه بأننا نجد عندهم أبياتا لا يلتئم شطراها ، كما سبق أن مثلنا . ولا يتعصب ضد المحدثين من الشعراء ، ويراهم قد سلكوا منهاج من تقدمهم بل يراهم قد أبدعوا وأجادوا ، ويعرف لهم ذلك بخاصة في حسن التخلص وجمال القوافي . وهو صريح في تقريره ان تقدم الزمن لا يكسب الشعر مزية وفضلا . ويقدر كذلك أن المولدين اتوا في أشعارهم بعجائب ، وإن كانوا قد استفادوها ممن تقدمهم ، ولكنها تسلم لهم إذا ادعوها للطيف سحرهم فيها . غير أن له في القدماء والمحدثين رأيا لا نتفق معه فيه ، وربما كان متأثرا في ذلك بابن قتيبة ، إذ يرى أن أشعار المحدثين متكلفة غير صادرة عن طبع صحيح كأشعار العرب التي سبيلهم في منظومها سبيلهم في منثور كلامهم الذي لا مشقة عليهم فيه . فالحكم بان أشعار المحدثين غير صادرة عن طبع صحيح ، لامكان له من الصحة ، فكثير من الشعراء المحدثين مطبوع يصدر شعره عن قريحة فياضة لا شك فيها . والحكم بان العرب لم يكونوا يجدون مشقة في انتاج شعرهم مما لا يقره تاريخ أدبهم ، فمن شعرائهم من كان يتوفر على انتاجه وقتا طويلا ، حتى يخرج انتاجه مهذبا مصفى . ويعترف ابن طباطبا بان صناعة الشعر أشق على شعراء زمانه منها وعلى من كان قبلهم ، ويعلل ذلك بان القدماء قد سبقوا إلى كل معنى بديع ، ولفظ فصيح ، وكان من نتيجة ذلك أن المحدثين إذا أتوا بما يقصر عن معاني السابقين ، لم يتلق شعرهم بالقبول . ولعل السر في هذه المشقة ان المحدثين لم يفتحوا من أبواب الشعر غير تلك الأبواب التي كانت للسابقين ، ولو أنهم طرقوا أبوابا أخرى لوجدوا مجال القول واسع الميدان . ع ومنهجه في تربية الذوق والتدريب على الإنتاج الأدبي الجيد هو الاتصال بالنصوص الأدبية ، لتأملها وتقويم اللسان بها . لا ليعيش كلا عليها ، ومن أجل ذلك ألف كتابه : تهذيب الطبع . وأكثر من الشواهد في عيار الشعر ، فعلى الشاعر ، كما قال : أن يديم النظر في الأشعار التي قد اخترناها ، لتلتصق معانيها بفهمه ، وترسخ أصولها في قلبه ، ويذهب في ذلك إلى ما يحكى عن خالد بن عبد الله القسري قال : حفظني أبي ألف خطبة ، ثم قال لي : تناسها ، فتناسيتها ، فلم أرد بعد ذلك شيئا من الكلام إلا سهل علي ، فكان حفظه لتلك الخطب رياضة لفهمه ، وتهذيبا لطبعه ، وتلقيحا لذهنه ، ومادة لفصاحته ، وسببا لبلاغته ، ولسنه وخطابته . ولا يزال لهذا الرأي وجاهته في تربية الذوق ، وتثقيف الشاعر ، وتقويم طبعه . وشهد العصر الذي عاش فيه ابن طباطبا بعض الكتب التي ألفت في النقد الأدبي ، وورث بعضها . منها : أفمن ذلك كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة ، ويظهر انه قرأ هذا الكتاب ، وتأثر ببعض آرائه ، رغبة منه في تقسيم الشعر ، فإننا نجد بين التقسيمين كثيرا من التشابه : ب ومن كتب ذلك العصر كتاب قواعد الشعر لثعلب ، ولا نكاد نجد صلة تربط بين الكتابين ، لا من حيث المادة ، ولا من حيث الاتجاه ، ولا من حيث المعالجة لما اتفقا فيه من بعض الموضوعات . ج أما صلته بابن المعتز فيقول عنها ياقوت : ذكر أبو عبد الله حمزة بن الحسن الأصبهاني قال : سمعت جماعة من رواة الأشعار ببغداد يتحدثون عن عبد الله بن المعتز انه كان لهجا بذكر أبي الحسن : ابن طباطبا ، مقدما له على سائر أهله ، ويقول : ليس في ولد الحسين من يشبهه . وكان يعرف شعر ابن طباطبا . وكان ابن طباطبا أيضا طول أيامه مشتاقا إلى عبد الله بن المعتز متمنيا ان يلقاه ، أو يرى شعره ، فاما لقاؤه فلم يتفق له ، لأنه لم يفارق أصبهان قط ، وأما ضفره بشعره ، فإنه اتفق له في آخر أيامه . ومن الجائز أن يكون ابن طباطبا قد عرف بعض شعر عبد الله بن المعتز وعرف كتابه في البديع وربما كان لذلك أثره في اكثار ابن طباطبا من الشعر في الطبيعة ، وفي تأليف كتبه ، فهو أمير علوي ، ليس بغريب ان يتشبه بأمير عباسي . غير أن هناك فرقا كبيرا في اتجاه كتابي الرجلين ، فإذا كان اتجاه ابن طباطبا اتجاها علميا لبيان نظم الشعر ، وما ينبغي ان يتحقق فيه ليكون جيدا ، ودراسة أسباب تأثير الشعر في النفس ، فان كتاب البديع لابن المعتز يحدد صاحبه هدفه بقوله : قد قدمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة وأحاديث رسول الله ص وكلام الصحابة والاعراب وغيرهم وأشعار المتقدمين من الكلام الذي سماه المحدثون البديع ، ليعلم أن بشارا ومسلما وأبا نواس ، ومن تقبلهم وسلك سبيلهم ، لم يسبقوا إلى هذا الفن ، ولكنه كثر في أشعارهم ، فعرف في زمانهم ، حتى سمى بهذا الاسم . . . . د وتحدث المبرد في كتابه : الكامل عن التشبيه ، قبل ابن طباطبا ولكن لم يبد أثر واضح لهذا الفصل في كتاب عيار الشعر . ه ونجد أيضا كتاب نقد الشعر ، لقدامة بن جعفر ، وقد تعرض الناقدان لأمور اشتركا في الحديث عنها : فمن ذلك حديثهما عن العروض ، وأن وزن الشعر يعود إلى طبع في