السيد محسن الأمين
75
أعيان الشيعة
والمدح ، على أن يتخلص من أحدهما إلى الآخر بالطف تخلص . بلا انفصال للمعنى الثاني عما قبله ، بل يكون متصلا به ، وممتزجا معه . وإذا كان ابن طباطبا قد ألح على ضرورة وحدة القصيدة حتى تصبح كالكلمة ، فإنه قد ألح على ضرورة الصدق ، وهو ما نسميه اليوم بصدق التجربة ونكاد اليوم نعبر كما عبر ناقدنا العربي القديم عندما قال بعد حديثه عن أسباب تأثير الشعر في النفس : فإذا وافقت هذه المعاني هذه الحالات تضاعف حسن موقعها عند مستمعها ، لا سيما إذا أيدت بما يجلب القلوب من الصدق عن ذات النفس ، بكشف المعاني المختلجة فيها ، والتصريح بما كان يكتم منها ، والاعتراف بالحق في جميعها . هذه النظرة الصائبة ، إلى الصدق في الشعر يرى ابن طباطبا أنها كانت متحققة في شعراء الجاهلية الجهلاء وصدر الاسلام . د غير أن شيئا يحتمل الكذب فيه في حكم الشعر ، ذلك هو الاغراق في الوصف ، والافراط في التشبيه . ويورد الناقد أمثلة للأبيات التي أغرق قائلوها في معانيها . ويبدو لي ان ابن طباطبا لم يكن راضيا عن هذا الاغراق ، فإنه يقول بعد أن أورد أمثلة : وقد سلك جماعة من الشعراء المحدثين سبيل الأوائل في المعاني التي أغرقوا فيها ، فالتعبير بجماعة يشعر باتجاهه الذي لا يرضى عن هذا الاغراق ، كما أنه عندما تحدث عما يجب على الشاعر أن يتبعه ، كان من ذلك أن يتعمد الصدق والوفق في تشبهاته وحكاياته . وان حرارته في الحديث عن الصدق تدل على نفرته من المبالغة والاغراق . ه وللشعر الجيد صفات يجب أن تتحقق فيه ، وأخرى يجب أن يبرأ منها ، فمما ينبغي أن يتحقق في الشعر : جودة معناه ، فالكلام الذي لا معنى له كالجسد الذي لا روح فيه ، كما قال بعض الحكماء : الكلام جسد وروح ، فجسده النطق وروحه معناه . وأن تشاكل الألفاظ المعاني ، بمعنى أن يتأنق الشاعر في اختيار ألفاظه حتى تبدو المعاني في صورة قوية رائعة ، فان الألفاظ للمعاني كالمعرض للجارية الحسناء التي تزداد حسنا في بعض المعارض دون بعض . وكم من معنى حسن شين بمعرضه الذي أبرز فيها ، وكم معرض حسن قد ابتذل على معنى قبيح ألبسه ، وكم من زائف وبهرج قد نفقا على نقادهما ، وكم من حكمة غريبة قد ازدريت لرثاثة كسوتها ولو جليت في غير لباسها ذلك لكثر المشيرون إليها . وهو بذلك كنقاد العرب الذين يعنون عناية كبرى بالصياغة وجمال عرض المعاني . ولم يحدد ناقدنا ، أعني ابن طباطبا ، معنى القبح في المعنى ، ولكنه ضرب الأمثلة للمعاني الواهية سوف نوردها في مكانها . وأحسن الشعر ما وضعت فيه كل كلمة موضعها . حتى تطابق المعنى الذي أريدت له ، من غير حشو يجتلب ، كأنما جئ به لاكمال الوزن ، ومن غير تفريق بين الكلمة وأختها ، وأن تكون سهلة على اللسان ، غير مستكرهة في مكانها ولا متعبة . ومن الكلمات التي ينبغي أن توضع في مكانها قافية البيت ، فينبغي أن تكون قد جاءت لمعنى يكمل به معنى البيت ، لا ليتم بها وزن الشعر ليس غير ، فيكون ما قبلها مسوقا إليها ، ولا تكون مسوقة إليه ، فتقلق في مواضعها ، ولا توافق ما يتصل بها ، ومعنى ذلك أن القافية ينبغي أن يسوق إليها معنى البيت ، فتاتي لتكمل معناه ، وتكون لذلك مستقرة في مكانها غير قلقة ولا متعبة ، أما إذا تم المعنى بدونها ، واستجلبت القافية قسرا ، ليكمل وزن البيت من الشعر فحسب ، فبأنها تكون قلقة لا تتصل بما قبلها . اما ما ينبغي اجتنابه في الشعر ، فالتفاوت في نسجه ، فإذا أسس الشاعر شعره على أن يأتي فيه بالكلام البدوي الفصيح لم يخلط به الحضري المولد ، وإذا أتى بلفظة غريبة اتبعها أخواتها وكذلك إذا سهل ألفاظه لم يخلط بها الألفاظ الوحشية النافرة الصعبة القياد . ودعا ابن طباطبا الشاعر أيضا إلى اجتناب سفساف الكلام ، وسخيف اللفظ ، والمعاني المستبردة ، والتشبيهات الكاذبة ، والإشارات المجهولة ، والأوصاف البعيدة ، والعبارات الغثة ، وجعل هذه الأشياء كأنما هي رقعة تزري بالثوب الجميل . ويدعا إلى أن يستعمل الشاعر من المجاز ما يقارب الحقيقة ، ولا يبعد عنها ومن الاستعارات ما يليق بالمعاني التي يأتي بها . ( و ) وعاب ابن طباطبا أن تزيد قريحة الشاعر على عقله ، ومعنى زيادة القريحة ان يستغرق الشاعر في فنه ، يبحث عن معنى له قيمته في حد ذاته ، بقطع النظر عن الظروف الأخرى . ومن الأمثلة التي ساقها الناقد العربي لذلك قول جرير : هذا ابن عمي في دمشق خليفة لو شئت ساقكم إلى قطينا فالشاعر هنا قد استغرق في فن الفخر بنفسه ، ومما لا شك فيه أن فخره يزداد قوة بان يكون قريبا لخليفة دمشق ، وأن يكون الخليفة بحيث لا يرد له طلبا ، فلو أنه طلب منه أن يجعلهم خدما له لنفذ الخليفة له ما يريد . ونسي جرير في غمرة الفخر ان الخليفة أكبر من أن يؤمر ولذلك يروي أن الخليفة قال له : جعلتني شرطيا لك . أما لو قلت لو شاء ساقكم إلي فطينا لسقتهم إليك عن آخرهم . ز وابن طباطبا في هذا المقام يشبه النقاد المحدثين في نظرتهم الموضوعية إلى الشعر ، فان الشعر إذا كان ذاتيا ، يصور تجربة ذاتية للشاعر ، يختص بها ، ولها سماتها ومعالمها التي تخصه وحده ، فان على الشاعر أن يتخذ هذه التجربة الذاتية موضوع تأمله ، يحكم فيها عقله ، وينفذ فيها ببصيرته ، ويعرضها على تفكيره ، ليقبل منها ما يرضاه عقله ، ويرفض منها ما لا يرضاه . ولذلك جعل ابن طباطبا جماع الأدوات التي يحتاج إليها الشاعر كمال العقل الذي به تتميز الأضداد ، وعليه أن يحضر لبه عند كل مخاطبة ووصف ، ويعد لكل معنى ما يليق به ، ولكل طبقة ما يشاكلها . ح وجعل ابن طباطبا مقياس قبول الشعر ورفضه ان يورد على الفهم الثاقب ، فما قبله واصطفاه فهو واف ، وما مجه ونفاه فهو ناقص . ويعلل ابن طباطبا لقبول الفهم الناقد للشعر الحسن ، ونفيه للقبيح منه ، واهتزازه لما يقبله ، وتكرهه لما ينفيه ، بان كل حاسة من