السيد محسن الأمين
74
أعيان الشيعة
يرتاض من تعاطى قول الشعر بالنظر فيه ، ويسلك المنهاج الذي سلكه الشعراء ويتناول المعاني اللطيفة كتناولهم إياها ، فيحتذي على تلك الأمثلة في الفنون التي طرقوا أقوالهم فيها . 3 وله كتاب في العروض قال عنه ياقوت : إنه لم يسبق إلى مثله وقد سبقت الإشارة اليه . 4 وكتاب سنام المعالي ولا أدرى عنه شيئا . 5 وكتاب في المدخل في معرفة المعمى من الشعر ، وعنوانه يدل على موضوعه ، فهو شرح لأبيات غامضة المعنى ، يدل على تعمق صاحبه في فهم غريب الأشعار ، وادراك معانيها الغامضة . 6 وكتاب في تقريظ الدفاتر سبق أن أشرنا إليه . 7 وكتاب في الشعر والشعراء نسبه إليه ابن النديم ، ولعله كتاب تهذيب الطبع الذي لم يذكره صاحب الفهرست . 8 وديوان شعره . ولم يبق لنا من ذلك اليوم ، فيما أعرف ، سوى كتاب عيار الشعر ، وبضع قصائد وأبيات متناثرة أوردها معجم الأدباء ، ومحاضرات الأدباء وتحفة العجائب وطرفة الغرائب ، وكتاب التشبيهات ، والمحمدون من الشعراء وأشعارهم ، والمصون في الأدب . وقد يورد بعض هؤلاء بيتا أو بيتين ، ثم يقول : وهي أبيات كثيرة ذات أوصاف ويقول القفطي في كتابه : المحمدون من الشعراء وأكثر شعره في الغزل والآداب . ومما يذكر ان ابن طباطبا كان يؤمن ، لتمكنه من اللغة ، بمقدرته على أن يتجنب من الكلمات ما يصعب النطق به على من بلسانه عيب يحول بينه وبين النطق ببعض الحروف ، ويروي عنه أنه قال : والله أنا أقدر على أبي الكلام من واصل بن عطاء . ويروون للتدليل على ذلك أن ولدا لأحد أعيان الرجال كانت به لكنة شديدة حتى كان لا يجري على لسانه حرفان من حروف المعجم ، هما : الراء ، والكاف ، يضع الغين مكاني الراء ، والهمزة مكان الكاف ، فكان إذا أراد أن يقول : كركي يقول : أع أى فعمل ابن طباطبا قصيدة في مدح أبيه ، حذف منها حرفي لكنة الولد ، ولقنه إياها ، حتى رواها لأبيه ، ففرح بها فرحا شديدا . ومن تلك القصيدة . يا سيد دانت له السادات * وتتابعت في فعله الحسنات وتواصلت نعماؤه عندي ، فلي * منه هبات خلفهن هبات وهي قصيدة طويلة تبلغ تسعة وأربعين بيتا ختمها بقوله : لو واصل بن عطاء الباني لها * تليت ، توهم انها آيات لولا اجتنابي ان يمل سماعها * لأطلتها ما خطت التاءات وليس شعره ما يرفعه ، حتى إلى درجة أوساط الشعراء ، ولكنه مما لا شك فيه أن معالجته لنظم الشعر جعلت له نظرات صائبة في النقد الأدبي ، لأنها ناشئة عن ممارسة وتجربة . وكثير من آرائه في النقد الأدبي لم تفقد مع الزمن صحتها وجدتها . بل أن له بعض التعبيرات التي تشبه إلى حد كبير تعبيراتنا الحديثة . أفمن أثر ممارسته لنظم الشعر هذا الرأي الذي أبداه في طريقه قرض الشعر ، وأغلب الظن انه كان يتبع هذا النهج في صنع قصائده . يقول ابن طباطبا : إذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا ، وأعد له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه ، والقوافي التي توافقه ، والوزن الذي يسلس له القول عليه ، ، فإذا اتفقوا له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته ، وأعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني ، على غير تنسيق للشعر ، وترتيب لفنون القول فيه ، بل يعلق كل بيت يتفق له نظمه ، على تفاوت ما بينه وبين ما قبله ، فإذا كملت له المعاني ، وكثرت الأبيات ، وفق بينها بأبيات تكون نظاما لها ، وسلكا جامعا لما تشتت منها . ثم يتأمل ما قد أداه اليه طبعه ، ونتجته فكرته ، فيستقصى انتقاده ، ويرمى ما وهي منها ، ويبدل بكل لفظة مستكرهة لفظة سهلة نقية . وان اتفقت له قافية قد شغلها في معنى من المعاني ، واتفق له معنى آخر مضاد للمعنى الأول ، وكانت تلك القافية أوقع في المعنى الثاني منها في المعنى الأول ، نقلها إلى المعنى المحار الذي هو أحسن ، وأبطل ذلك البيت أو نقض بعضه وطلب لمعناه قافية تشاكله ، ويكون كالنساج الحاذق . . . وكالنقاش الرفيق الذي يضع الأصباغ في أحسن تقاسيم نقشه . ويشبع كل صبغ منها ، حتى يتضاعف حسنه في العيان . تلك هي الخطة التي أوصى ابن طباطبا بانتهاجها في نظم القريض أن يختار الشاعر الوزن والقافية ، ثم يتقبل ما يجود به خاطره من شعر يتعلق بالمعنى الذي يريد النظم فيه ، ثم يقوم بتثقيفه وترتيبه ، حتى تصبح القصيدة مترابطة منسقة . واختيار الشاعر للوزان والقافية مما يطالب به ابن طباطبا صانع الشعر ، حتى لا يقع في وزن يصعب عليه المعنى فيه . وقد كرر الدعوة إلى اختيار القافية في موضع آخر من كتبه بعد أن حصر ألوان القوافي ، فقال : اختر من بينها أعذبها ، وأشكلها للمعنى الذي تروم بناء الشعر عليه ، وذلك حتى لا يقع الشاعر في قافية لا تسلس لخواطره ، ولا تنقاد لمعانيه . ب وإذا كان ابن طباطبا قد دعا إلى أن يضع الشاعر بين أبياته ما يربط بين هذه الأبيات حتى تتسق القصيدة ، فذلك لأنه دعا إلى وحدة القصيدة دعوة حارة ، وهو في ذلك يشبه آراء النقاد المحدثين إذ يقول : وأحسن الشعر ما ينتظم القول فيه انتظاما ينسق به أوله مع آخره ، . . . فان قدم بيت على بيت دخله الخلل . . . فان الشعر إذا أسس تأسيس كلمات الحكمة المستقلة بذاتها ، والأمثال السائرة الموسومة باختصارها ، لم يحسن نظمه ، بل يجب أن تكون القصيدة كلها ككلمة واحدة ، . في اشتباه أولها بآخرها ، نسجا حسنا ، وفصاحة وجزالة ألفاظ ، ودقة معان ، وصواب تأليف ، ويكون خروج الشاعر من كل معنى يصنعه إلى غيره من المعاني خروجا لطيفا ، . . . حتى تخرج القصيدة كأنها مفرغة إفراغا . . . تقتضي كل كلمة ما بعدها . ويكون ما بعدها متعلقا بها ، مفتقرا إليها . ولكن ينبغي أن نشير هنا إلى أن ابن طباطبا مع دعوته إلى وحدة القصيدة والتلاؤم بين أجزائها ، لم يمنع أن تشتمل القصيدة على الغزل