الجاحظ

96

البخلاء

عليك النفقة ، وتكر منه ؛ وإنك لتغالي « 1 » بالخبّاز والطبّاخ والشواء والخباص ، ثم أنت مع هذا كله لا تشهده عدوّا لتغمّه « 2 » ، ولا وليّا فتسرّه ، ولا جاهلا لتعرّفه ، ولا زائرا لتعظَّمه ، ولا شاكرا لتثبّته . وأنت تعلم حين يتنحّى من بين يديك ، ويغيب عن عينيك . فقد صار نهبا مقسما ، ومتوزعا مستهلكا . فلو أحضرته من ينفع شكره ، ويبقى شكره ، ويبقى على الأيام ذكره ، ومن يمتعك بالحديث والاستماع ، ومن يمتدّ به الأكل ، ويقصر به الدهر ، لكان ذلك أولى بك ، وأشبه بالذي قدّمته يدك . وبعد ، فلم تبيح مصون الطعام لمن لا يحمدك ، ومن أن حمدك لم يحسن أن يحمدك ، ومن لا يفصل بن الشهيّ القديّ ، وبين الغليظ الزهم « 3 » ؟ قال : يمنعني من ذلك ما قال أبو الفاتك . قالوا : ومن أبو الفاتك ؟ قال : قاضي الفتيان « 4 » . وإني لم آكل مع أحد ، قطَّ ألا رأيت منه بعض ما ذمّه ، وبعض ما شنّعه وقبّحه . فشئ يقبح بالشطَّار ، فما ظنك به إذا كان في أصحاب المروءات ، وأهل البيوتات ؟ قالوا : فما قال أبو الفاتك . قال : قال أبو الفاتك : الفتى لا يكون نشّالا ، ولا نشّافا ، ولا مرسالا ، ولا لكَّاما ، ولا مصّاصا ، ولا نقّاضا ، ولا دلَّاكا ، ولا مقوّرا ، ولا مغربلا ، ولا محلقما ، ولا مسوّغا ولا ملغّما ، ولا مخضّرا . فكيف لو رأى أبو الفاتك اللطَّاع ، والقطَّاع ، والنهّاش ، والمدّاد ، والدفّاع ، والمحوّل « 5 » ؟

--> « 1 » تغالي : تبالغ ، تعظم ، تكثر . « 2 » تغمّه : تجعله حزينا . « 3 » الزهم : الكريه الرائحة . « 4 » قاضي الفتيان : رئيس اللصوص هنا . « 5 » سيأتي تفسير هذه الأسماء في ما بعد .