الجاحظ
90
البخلاء
واستسلف منه عليّ الأسواري مائة درهم ، فجاءني وهو حزين منكسر . فقلت له : إنما يحزن من لا يجد بدا من إسلاف الصديق ، مخافة ألا يرجع إليه ماله ، ولا يعد ذلك هبة منة . أو رجل يخاف الشكيّة ، فهو إن لم يسلف كرما ، أسلف خوفا . وهذا باب ، الشهرة فيه هي قرّة عينك . وأنا واثق باعتزامك وتصميمك ، وبقلَّة المبالاة بتبخيل الناس لك ، فما وجه انكسارك واغتمامك ؟ قال : اللهم غفرا ! ليس ذاك بي إنما بي أني قد كنت أظنّ أن أطماع الناس قد صارت بمعزل عني ، وآيسة مني ، وأني قد أحكمت هذا الباب وأتقنته ، وأودعت قلوبهم اليأس ، وقطعت أسباب الخواطر . فأراني واحدا منهم إن من أسباب إفلاس المرء طمع الناس فيه ؛ لأنهم إذا طمعوا فيه ، احتالوا له الحيل ، ونصبوا له الشّرك « 1 » ، وإذا يئسوا منه فقد أمن . وهذا المذهب من عليّ استضعاف شديد . وما أشك أني عنده غمر « 2 » ، وأني كبعض من يأكل ماله . وهو مع هذا خليط وعشير . وإذا كان مثله لم يعرفني ، ولم يتقرر عنده مذهبي ، فما ظنّك بالجيران ، بل ما ظنك بالمعارف ؟ أراني أنفتح في غير فحم ، وأقدح بزند مصلد « 3 » . ما أخوفني أن أكون قد قصد إليّ بقول . ما أخوفني أن يكون اللَّه في سمائه قد قصد إلى أن يفقرني . قال : ويقولون : ثوبك على صاحبك أحسن منه عليك . فما يقولون إن كان أقصر مني ، أليس يتخبّل في قميصي ؟ وإن كان طويلا جدا ، وأنا قصير جدا ، فلبسه ، أليس يصير آية للسائلين ؟ فمن أسوأ أثرا على صديقه ممن جعله ضحكة للناس ؟ ما ينبغي لي أن أكسوه حتى أعلم أنه فيه مثلي . ومتى يتفق هذا ؟ وأنى ذاك محيا وممات ؟
--> « 1 » الشّرك : الحيل . مصيدة الصيد . « 2 » غمر : جاهل لم يجرّب الأمور . « 3 » زند مصلد : الذي لا يوري .