الجاحظ
91
البخلاء
وكان يقول : أشتهي اللحم الذي قد تهرّأ ، وأشتهي أيضا الذي فيه بعض الصلابة . وقلت له مرة : ما أشبهك بالذي قال : أشتهي لحم دجاجتين . قال : وما تصنع بذلك القائل ؟ هوذا أنا أشتهي لحم دجاجتين : واحدة خلاسيّة مسمّنة ، وأخرى خوامزكة « 1 » رخصة . وقلت له مرة : قد رضيت بأن يقال : عبد اللَّه بخيل ؟ قال : لا أعدمني اللَّه هذا الاسم . قلت : وكيف ؟ قال : لا يقال فلان بخيل ، إلا وهو ذو مال ، فسلم إليّ المال ، وادعني بأيّ اسم شئت . قلت : ولا يقال أيضا فلان سخيّ ، إلا وهو ذو مال ، فقد جمع هذا الاسم الحمد والمال ، واسم البخل يجمع المال والذم . فقد اخترت أخسّهما وأوضعهما . قال : وبينهما فرق . قلت : فهاته . قال : في قولهم بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه ، وفي قولهم : « سخيّ » إخبار عن خروج المال من ملكه . واسم البخيل اسم فيه حفظ وذم ، واسم السخيّ اسم فيه تضييع وحمد . والمال زاهر ، نافع ، مكرم لأهله ، معزّ ، والحمد ريح وسخرية ، واستماعك له ضعف وفسولة « 2 » . وما أقل غناء الحمد ، واللَّه ، عنه ، إذا جاع بطنه ، وعري جلده ، وضاع عياله ، وشمت « 3 » به من كان يحسده . وكنا عند داود بن أبي داود بواسط ، أيام ولايته كسكر . فأتته من البصرة هدايا فيها زقاق دبس ، فقسمها بيننا ، فكلنا أخذ ما أعطي غيره . فأنكرت ذلك من مذهبه ، ولم أعرف جهة تدبيره . فقلت للمكيّ : قد علمت أن الحزامي إنما يجزع من الإعطاء وهو عدوّه ، فأمّا الأخذ فهو ضالَّته وأمنيته . وإنه لو أعطي أفاعي سجستان ، وثعابين مصر ، وحيّات الأهواز ، لأخذها ، إذ كان اسم الأخذ واقعا عليها ، فعساه أراد التفضيل
--> « 1 » خلاسية وخوامزكة : أنواع من الدجاج . « 2 » فسولة : الفسل : الضعيف الذي لا مروءه له . والفسولة : الفتور . « 3 » شمت : صار شؤما عليه