الجاحظ

63

البخلاء

أكلَّمك من الجوع إلا وأنا متكيء . الجوارشن ما أصنع به ؟ هو نفسه ليس يشبع ، ولا يحتاج إلى الجوارشن ، ونحن الذين إنما نسمع بالشبع سماعا من أفواه الناس ، وما نصنع بالجوارشن ؟ . واشتد على غلمانه في تصفية الماء ، وفي تبريده وتزميله « 1 » ، لأصحابه وزوّاره . فقال له غازي أبو مجاهد : « جعلت فداك ! مر بتزميل الخبز وبتكبيره ، فإن الطعام قبل الشراب » . وقال مرة : « يا غلام هات خوان النرد » ، وهو يريد تخت النرد . فقال له غازي : « نحن إلى خوان الخبز أحوج » . وسكر زبيدة ليلة ، فكسا صديقا له قميصا ؛ فلما صار القميص على النديم خاف البدوات « 2 » . وعلم أن ذلك هفوة من هفوات السكر . فمضى من ساعته إلى منزله ، فجعله برنكانا « 3 » لامرأته ؛ فلما أصبح ، سأل عن القميص ، وتفقّده . فقيل له : « إنك قد كسوته فلانا » فبعث إليه ، ثم أقبل عليه ، فقال : « ما علمت أن هبة السكران ، وشراءه وبيعه ، وصدقته ، وطلاقه لا يجوز ؟ وبعد فإني أكره ألا يكون لي حمد ، وأن يوجّه الناس هذا مني على السكر ، فردّه عليّ حتى أهبه لك صاحيا عن طيب نفس ، فإني أكره أن يذهب شيء من مالي باطلا » . فلما رآه صمّم أقبل عليه فقال : « يا هناه « 4 » ! إن الناس يمزحون ، ويلعبون ، ولا يؤاخذون بشيء من ذلك ، فردّ القميص عافاك اللَّه » . قال له الرجل : « إني واللَّه قد خفت هذا بعينه ، فلم أضع جنبي إلى الأرض حتى جيّبته

--> « 1 » تزميله : وضعه في المزملة وهي جرة أو خابية . « 2 » البدوات : أي ما يخطر بباله . « 3 » برنكانا : لفظه فارسية معربة ، وهي نوع من الملابس . « 4 » تختص بالنداء وتنقلب الهاء الأخيرة تاء للوصل ، وجاءت هنا للتعجب .