الجاحظ

62

البخلاء

زبيدة بن حميد : وأما زبيدة بن حميد الصيرفيّ « 1 » ، فإنه استسلف من بقال ، كان على باب داره ، درهمين وقيراطا ، فلما قضاه بعد ستة أشهر ، قضاه درهمين وثلاث حبات شعير . فاغتاظ البقّال ، وقال : « سبحان اللَّه ! أنت رب مائة ألف دينار ؛ وأنا بقال لا أملك مائة فلس ، وإنما أعيش بكدّي وباستفضال « 2 » الحبة والحبتين . صاح على بابك جمّال ، وحمال ، ولم يحضرك ، وغاب وكيلك ، فنقدت عنك درهمين ، وأربع شعيرات ، فقضيتني بعد سنة أشهر درهمين ، وثلاث شعيرات » ! فقال زبيدة : « يا مجنون أسلفتني في الصيف فقضيتك في الشتاء ، وثلاث شعيرات شتوية ندية ، أرزن « 3 » من أربع شعيرات يابسة صيفية ، وما أشك أن معك فضلا » « 4 » . وحدثني أبو الإصبغ بن ربعي « 5 » قال : « دخلت عليه بعد أن ضرب غلمانه بيوم ، فقلت له : ما هذا الضرب المبرّح ، وهذا الخلق السيء ؟ هؤلاء غلمان ، ولهم حرمة وكفاية وتربية ، وإنما هم ولد . هؤلاء كانوا إلى غير هذا أحوج . قال : « إنك لست تدري أنهم أكلوا كل جوارشن « 6 » كان عندي » . قال أبو الإصبغ : فخرجت إلى رئيس غلمانه فقلت : « ويلك ! ما لك وللجوارشن ؟ وما رغبتك فيه » قال : « جعلت فداك ! ما أقدر أن

--> « 1 » أحد كبار الصيارفة في البصرة . « 2 » استفضال : زيادة ، أو ما يبقى مما يبيعه . « 3 » أرزن : اثقل . « 4 » فضلا : زيادة . « 5 » من أصحاب الجاحظ الذين يتحدث عنهم . « 6 » جوارشن لفظة فارسية معربة ، تعني الدواء .