الجاحظ
49
البخلاء
رجل سرّنا بكلام ، وسررناه بكلام . هو حين زعم أني أحسن من القمر ، وأشدّ من الأسد ، وأن لساني أقطع من السيف ، وأن أمري أنفذ من السّنان هل جعل في يدي من هذا شيئا أرجع به إلى بيتي ؟ ألسنا نعلم أنه قد كذب ؟ ولكنه قد سرّنا حين كذب لنا ، فنحن أيضا نسرّه بالقول ونأمر له بالجوائز ، وإن كان كذبا ، فيكون كذب بكذب وقول بقول . فأما أن يكون كذب بصدق وقول بفعل ، فهذا هو الخسران المبين الذي سمعت به » . ويقال : إن هذا المثل الذي قد جرى على ألسنة العوّام من قولهم : « ينظر إليّ شزرا كأنّي أكلت اثنين ، وأطعمته واحدا » إنما هو لأهل مرو . قال : وقال المروزيّ لولا إنني أبني مدينة لبينت آريّا لدابتي . قال : وقلت لأحمد بن هشام « 1 » ، وهو يبني داره ببغداد : « إذا أراد اللَّه ذهاب مال رجل سلَّط عليه الطين والماء » . قال : « وما يصنع بذكر الطين والماء ؟ إنما إذا أراد اللَّه ذهاب مال رجل جعله يرجو الخلف « 2 » ، لا واللَّه أن أهلك الناس ، ولا أقفر بيوتهم ، ولا ترك دورهم بلاقع « 3 » ، إلا الإيمان بالخلف ، وما رأيت جنة « 4 » قط أوقى من اليأس » .
--> « 1 » أحمد بن هشام : أحد أشراف بغداد . « 2 » الخلف : العوض . « 3 » بلاقع : مفردها بلقع ، أرض فقيرة جرداء . « 4 » جنّة : الوقاية ، السّترة .