الجاحظ
253
البخلاء
ألف درهم لوهبت لك منها خمس مائة ألف درهم . يا هؤلاء فرجل يهب ضربة واحدة خمس مائة ألف يقال له بخيل » ؟ . صاحب الثريدة وأما صاحب الثريدة البلقاء « 1 » ، فليس عجبي من بلقة ثريدته وسائر ما كان يظهر على إخوانه ، كعجبي من شيء واحد ، وكيف ضبطه وحصره وقوي عليه مع كثرة أحاديثه وصنوف مذاهبه . وذلك أني في كثرة ما جالسته ، وفي كثرة ما كا يفتّن فيه من الأحاديث ، ولم أره خبّر أن رجلا وهب لرجل درهما واحدا . فقد كان يفتّن في الحزم والعزم ، وفي الحلم والعلم ، وفي جميع المعاني ، إلا ذكر الجود ، فإني لم أسمع هذا الاسم منه قط . خرج هذا الباب من لسانه ، كما خرج من قلبه . حديث طاهر الأسير ويؤكَّد ما قلت فيه ما حدثني به طاهر الأسير ، فإنه قال : وممّا يدلّ على أن الروم أبخل الأمم أنك لا تجد الجود في لغتهم أسما . يقول : إنما يسمي الناس ما يحتاجون إلى استعماله ، ومع الاستغناء يسقط التكلَّف . وقد زعم ناس أن مما يدل على غش الفرس أنه ليس للنصيحة في لغتهم اسم واحد يجمع المعاني التي يقع عليها هذا الاسم . وقول القائل : « نصيحة » ليس يراد به سلامة القلب ، فقد يكون أن يكون الرجل سليم الصدر ، ولم يحدث سبب من أجله يقصد إلى المشورة عليك بالذي هو أردّ عليك ، على حسب رأيه فيك ، ووجه لنفعك . ففي لغتهم اسم للسلامة ، واسم لإرادة الخير ، وحسن المشورة ، وحملك بالرأي على الصواب . فللنصيحة عندهم أسماء مختلفة ، إذا اجتمعت
--> « 1 » البلقاء : من بلق . والواحدة بلقة : سواد وبياض في اللون .