الجاحظ
254
البخلاء
دلَّت على ما يدّل عليه الاسم الواحد في لغة العرب . فمن قضى عليهم بالغش من هذا الوجه فقد ظلم . « 1 » حديث إبراهيم بن عبد العزيز وحدثني إبراهيم بن عبد العزيز ، قال : تغدّيت مع راشد الأعور ، فأتونا بجام فيه بيّاح سبخيّ « 2 » ، الذي يقال له الدرّاج . فجعلت آخذ الواحدة فأقطع رأسها ، ثم أعزله . ثم أشقّها بإثنين من قبل بطنها ، فآخذ شوكة الصّلب والأضلاع ، فأعزلها ، وأرمي بما في بطنها ، وبطرف الذنب والجناح ثم اجمعها في لقمة واحدة وآكلها . وكان راشد يأخذ البيّاحة فيقطعها قطعتين ، فيجعل كلّ قطعة في لقمة ، لا يلقي رأسا ولا ذنبا . فصبر لي على لقم عدة . فلما بلغت المجهود منه قال : « أي بنيّ إذا أكلت لطعام فكل خيره بشرّه » . الزنجيّ والاصبهاني والتمر قال : وكان يقول : لم أنتفع بأكل التمر قط إلا مع الزنج وأهل أصبهان . فأما الزنجيّ فإنه لا يتخيّر وأنا أتخير ، وأما الأصبهاني فإنه يقبض القبضة ولا يأكل من غيرها ، ولا ينظر إلى ما بين يديه حتى يفرغ من القبضة . وهذا سدل ، والتخيّر قرفة وجور « 3 » . ولا جرم أن الذي يبقى من لتمر لا ينتفع به العيال إذا كان قدّام من يتخيّر . وكان يقول : ليس من الأدب أن تجول يدك في الطبق ، وإنما هو تمر وما أصاب .
--> « 1 » يقول : إن لديهم من المعاني والأسماء التي تدل على النصيحة ، وإن لم يكن لدى الفرس اسم جامع لها . « 2 » البياح : نوع من السمك . والسبخيّ : ارض ذات نزّ في البحرين . « 3 » القرفة : التهمة . والجور : الظلم .