الجاحظ

225

البخلاء

واحذر أن تخرج من مالك درهما ، حتى ترى مكانه خيرا منه . ولا تنظر إلى كثرته ، فإن رمل عالج « 1 » لو أخذ منه ، ولم يرّد عليه ، لذهب عن آخره . إن القوم قد أكثروا في ذكر الجود وتفضيله ، وفي ذكر الكرم وتشريفه ، وسمّوا السرف جودا وجعلوه كرما . وكيف يكون كذلك وهو نتاج ما بين الضّعف والنفج « 2 » ؟ وكيف والعطاء لا يكون سرفا إلا بعد مجاوزة الحق ، وليس وراء الحق إلى الباطل كرم ؟ وإذا كان الباطل كرما كان الحق لؤما . والسرف ، حفظك اللَّه ، معصية ، وإذا كانت معصية اللَّه كرما ، كانت طاعته لؤما . ولئن جمعهما اسم واحد ، وشملهما حكم واحد ( ومضادة الحق للباطل ، كمضادة الصدق للكذب ، والوفاء للغدر ، والجور للعدل ، والعلم للجهل ) ليجمعن هذه الخصال اسم واحد ، وليشملنها حكم واحد . وقد وجدنا اللَّه عاب السرّف ، وعاب الحميّة « 3 » ، وعاب العصبية ، ووجدناه قد خص السرف بما لم يخص به الحمية ، لأنه ليس حب المرء لرهطه من العصبية ، ولا أنفته من الضيم من حمية الجاهلية . وإنما العصبيّة ما جاوز الحق ، والحمية المعيبة ما تعدى القصد . فوجدنا اسم الأنفة قد يقع محمودا ومذموما وما وجدنا اسم العصبية ولا اسم السرف يقع أبدا إلا مذموما « 4 » وإنما يسرّ باسم السرف جاهل لا علم له ، أو رجل إنما يسر به لأن أحدا لا يسميه مسرفا ، حتى يكون عنده قد جاوز حدّ الجود ، وحكم له بالحق ، ثم أردفه بالباطل . فإن سرّ من غير هذا الوجه ، فقد شارك المادح في الخطأ ، وشاكله في وضع الشيء في غير موضعه .

--> « 1 » عالج : اسم موضع بالبادية به رمل كثير . « 2 » النفج : التفاخر الكاذب . « 3 » الحمية : شدة الأنفة ، الحماس الشديد . « 4 » الحمية في الجاهلية ضرر وسفك دماء . وهناك نوع منها محمود وهو الأنفة للعرض والدين مع التعقل والوعي . اما السّرف والعصبية فهما مذمومان أبدا .