الجاحظ

226

البخلاء

وقد أكثروا في ذكر الكرم . وما الكرم إلا كبعض الخصال المحمودة التي لم يعدمها بعض الذم ، وليس شيء يخلو من بعض النقص والوهن . وقد زعم الأولون أن الكرم بسبب الغنى « 1 » ، وأن الغنى يسبب البله « 2 » ، وأنه ليس وراء الأبله إلا المعتوه . وقد حكوا عن كسرى أنه قال : « احذروا صولة الكريم إذا جاع ، واللئيم إذا شبع » ، وسواء جاع فظلم وأحفظ وعسف ، أم جاع فكذب وضرع وأسفّ « 3 » ، وسواء جاع فظلم غيره ، أم جاع فظلم نفسه ، والظلم لؤم . وإن كان الظلم ليس بلؤم فالإنصاف ليس بكرم . وإن كان الجود ، على من لا يستحق الجود كرما ، فالجود لمن وجب له ذلك ليس بكرم . فالجود إذا كان للَّه فكان شكرا له ، والشكر كرم . فكيف يكون الجود ، إذا كان معصية كرما ، وكيف يتكرّم من يتوصّل بأياديك إلى معصيتك ، وبنعمك إلى سخطك ؟ فليس الكرم إلا الطاعة ، وليس اللؤم إلا المعصية ، وليس بجود ما جاوز الحق ، وليس بكرم ما خالف الشكر . ولئن كان مجاوز الحق كريما ، ليكونن المقصّر دونه كريما . فإن قضيتم بقول العامة ، فالعامة ليست بقدوة . وكيف يكون قدوة من لا ينظر ولا يحصّل ولا يفكر ولا يمثّل « 4 » ؟ وإن قضيتم بأقاويل الشعراء ، وما كان عليه أهل الجاهلية الجهلاء ، فما قبّحوه مما لا يشك في حسنه أكثر من أن نقف عليه ، أو نتشاغل باستقصائه . على أنه ليس بجود إلا ما أوجب الشكر ، كما أنه ليس ببخل إلا ما أوجب اللوم . ولن تكون العطية نعمة على المعطى حتى يراد بها نفس ذلك المعطى « 5 » . ولن يجب عليه الشكر إلا مع شريطة القصد . وكل من كان جوده يرجع إليه ، ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك ، ولو تهيأ له ذلك

--> « 1 » الغنى : وقد جاء « الغباء » بدلا من الغنى في نسخة أخرى . والغباء : عدم الفطنة . « 2 » البله : ضعف العقل . « 3 » الصولة : السطوة في حرب ، الغلبة ، القهر . احفظ : اغضب . وعسف : ظلم وضرع : خضع ، وذل . وأسفّ : انحطَّ . « 4 » لا يمثل : لا يعطي صورة صادقة . « 5 » اي لا يمكن ان يكون العطاء صادقا صافيا ، إلا إذا كان صادرا عن إرادة النفس التي تعطي بعيدة عن اية منفعة .