الجاحظ
169
البخلاء
قال : وأما قوله : « رأيت الخبز عزّ لديك حتى » قال : فإذا لم أعزّ هذا الشيء الذي هو قوام أهل الأرض ، وأصل الأقوات « 1 » ، وأمير الأغذية ، فأيّ شيء أعزّ . أي واللَّه ، إنّي أعزّه ، وأعزّه ، وأعزّه ، وأعزّه ، مدى النفس ، ما حملت عيني الماء . وبلغ من نفجه مع ذلك ما خبّرني به إبراهيم بن هانيء « 2 » قال : كنت عنده يوما ، إذ مرّ به بعض الباعة ، فصاح : « الخوخ الخوخ » . فقلت : « وقد جاء الخوخ بعد » ؟ قال : « نعم قد جاء ، وقد أكثرنا منه » ، فدعاني الغيظ عليه إلى أن دعوت البيّاع ، وأقبلت على ابن الخاركي ، فقلت : « ويحك نحن لم نسمع به بعد ، وأنت قد أكثرت منه ؟ وقد تعلم أن أصحابنا أترف منك » ، ثم أقبلت على البياع فقلت : « كيف تبيع الخوخ ؟ » ، فقال : « ستة بدرهم » . قلت : « أنت ممن يشتري ستّ خوخات بدرهم ، وأنت تعلم أنه يباع بعد أيام مائتين بدرهم » ؟ ثم تقول : « وقد أكثرنا منه ، وهذا يقول : ستة بدرهم » . قال : « وأي شيء أرخص من ستة أشياء بشيء » . غلام صالح بن عفان كان غلام صالح بن عفّان يطلب منه نفطا لبيت الحمار بالليل ، فكان يعطيه كل ليلة ثلاثة أفلس ، والطسّوج « 3 » أربعة فلوس . ويقول : طسّوج يفضل وحبة تنقص وبينهما يرمي الرامي . وكان يقول لابنه : تعطي صاحب الحمّام وصاحب المعبر لكل واحد منهما طسّوجا ، وهو إذا لم ير معك إلا ثلاثة أفلس لم يردّك ؟
--> « 1 » أصل الأقوات : أصل لقمة العيش . « 2 » رجل كان مشهورا باللهو والخلاعة والعبث في الحديث . « 3 » الطسّوج : يظهر انه جزء من أربعة وعشرين جزءا من الدرهم .