الجاحظ
170
البخلاء
قال أبو كعب : دعا موسى بن جناح جماعة من جيرانه ، ليفطروا عنده في شهر رمضان ، وكنت فيهم . فلما صلَّينا المغرب ، ونجز « 1 » ابن جناح ، أقبل علينا ثم قال : لا تعجلوا فإن العجلة من الشيطان . وكيف لا تعجلون وقد قال اللَّه جلّ ذكره : * ( وكانَ الإِنْسانُ عَجُولًا ) * وقال : * ( خُلِقَ الإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ ) * . اسمعوا ما أقول ، فإن فيما أقول حسن المؤاكلة ، والبعد من الأثرة ، والعاقبة الرشيدة ، والسيرة المحمودة ؛ إذا مدّ أحدكم يده إلى الماء فاستسقى ، وقد أتيتم ببهطَّة « 2 » أو بجوذابة « 3 » أو بعصيدة ، أو ببعض ما يجري في الحلق ولا يساغ بالماء ، ولا يحتاج فيه إلى مضغ ، وهو طعام يد لا طعام يدين ، وليست على أهل اليد منه مؤونة ، وهو ممّا يذهب سريعا ، فأمسكوا حتى يفرغ صاحبكم . فإنكم تجمعون عليه خصالا ، منها : إنكم تنغصّون عليه تلك الشّربة ، إذا علم أنه لا يفرغ إلا مع فراغكم . ومنها أنكم تحنقونه ، ولا يجد بدّا من مكافأتكم ، فلعلَّه أن يتسرّع إلى لقمة حارّة ، فيموت ، وأنتم ترونه ، وأدنى ذلك أن تبعثوه على الحرص وعلى عظم اللقم . ولهذا ما قال الأعرابي حين قيل له : « لم تبدأ بأكل اللحم الذي فوق الثريد ؟ قال : « لأن اللحم ظاعن « 4 » والثريد مقيم » . وأنا وإن كان الطعام طعامي ، فإني كذلك أفعل ، فإذا رأيتم فعلي يخالف قولي فلا طاعة لي عليكم » . قال أبو كعب : فربما نسي بعضنا فمدّ يده إلى القصعة ، وقد مد يده صاحبه إلى الماء . فيقول له موسى : يدك يا ناسي . ولولا شيء لقلت لك : يا متغافل . قال : وأتانا بأرزة ولو شاء إنسان أن يعدّ حبّها لعدّه ، لتفرّقه ولقلته .
--> « 1 » نجز : بلغ حاجته وانجزها . « 2 » بهطة : ضرب من المأكولات التي تحوي الأرز واللبن . « 3 » الجوذابة : من الأطعمة التي تحوي الأرز واللحم والحلوى . « 4 » ظاعن : ذاهب ، راحل .