الجاحظ
154
البخلاء
يحجّ » . والآخر كان يضحّي عن أبي بكر وعمر ، ويقول : « أخطأ السنة في ترك الضحية . وكان الآخر يفطر عن عائشة أيام التشريق « 1 » ، ويقول : « غلطت رحمها اللَّه في صومها أيام العيد . فمن صام عن أبيه وأمه ، فأنا أفطر عن عائشة » . طرائف فيلويه : حدّثتني امرأة تعرف الأمور ، قالت : كان في الحيّ مأتم اجتمع فيه عجائز من عجائز الحي ، فلما رأين أن أهل المأتم قد أقمن المناحة ، اعتزلن وتحدّثن . فبينا هنّ في حديثهنّ ، إذ ذكرن برّ الأبناء بالأمهات ، وإنفاقهم عليهنّ . وذكرت كلّ واحدة منهنّ ما يوليها ابنها . فقالت واحدة منهنّ ، وأم فيلويه ساكتة ، وكانت امرأة صالحة ، وابنها يظهر النسك يدين بالبخل ، وله حانوت في مقبرة بني حصن يبيع فيها الإسقاط « 2 » . قالت : فأقبلت على أم فيلويه ، قالت لها : ما لك لا تحدّثين معنا عن ابنك كما يتحدّثن ؟ وكيف صنع فيلويه فيما بينك وبينه ؟ قالت : كان يجري عليّ في كل أضحى درهما . ثم قالت : وقد قطعه أيضا . فقالت لها المرأة : وما كان يجري عليك إلا درهما ؟ قالت : ما كان يجري عليّ إلا ذاك ، ولقد ربما أدخل أضحى في أضحى . فقالت : فقلت : يا أم فيلويه وكيف يدخل أضحى في أضحى ؟ قد يقول الناس : إن فلانا أدخل شهرا في شهر ، ويوما في يوم ، وأمّا أضحى في أضحى ، فهذا شيء لابنك لا يشركه فيه أحد .
--> « 1 » التشريق : الأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر . « 2 » الاسقاط : الرديء الذي لا خير فيه من كل شيء رديء المتاع .