الجاحظ

155

البخلاء

قصة تمّام بن جعفر : كان تمّام بن جعفر بخيلا على الطعام ، مفرّط البخل ؛ وكان يقبل على كل من أكل خبزه بكل علَّة « 1 » ، ويطالبه بكل طائلة « 2 » ؛ وحتى ربما استخرج عليه أنه كان حلال الدم . وكان إن قال له نديم : « ما في الأرض أحد أمشي مني ، ولا على ظهرها أحد أقوى على الحضر « 3 » مني » قال : « وما يمنعك من ذلك وأنت تأكل أكل عشرة ؟ وهل يحمل الرجل إلا البطن ؟ لا حمد اللَّه من يحمدك » . فإن قال : « لا واللَّه إن أقدر أن أمشي لأني أضعف الخلق عنه . وإني لأنبهر من مشي ثلاثين خطوة » . قال : « وكيف تمشي ، وقد جعلت في بطنك ما يحمله عشرون حمّالا ؟ وهل ينطلق الناس إلا مع خفة الأكل ؟ وأي بطين « 4 » يقدر على الحركة ؟ وإن الكظيظ ليعجز عن الركوع والسجود ، فكيف بالمشي الكثير » ؟ فإن شكا ضرسه ، وقال : « ما نمت البارحة مع وجعه وضربانه « 5 » » قال : « عجبت كيف اشتكيت واحدا ، وكيف لم تشتك الجميع ؟ وكيف بقيت إلى اليوم في فيك حاكَّة ؟ وأي ضرس يقوى على الضرس والطحن ؟ واللَّه إن الأرحاء السورية لتكلّ ، وإن المنحاز الغليظ ليتبعه الدقّ . ولقد استبطأت لك هذه العلة . أرفق فإن الرّفق يمن ، ولا تخرق بنفسك فإن الخرق شؤم » . وإن قال : « لا واللَّه إن اشتكيت ضرسا لي قط ، ولا تحلحلت لي سنّ عن موضعها ، منذ عرفت نفسي » . قال : « يا مجنون لأن

--> « 1 » اي يقبل عليه بالشتم واللعنات . « 2 » يطالبه باسترداد ما اكل ، اي الثأر لنفسه . « 3 » الحضر : المشي ، الجري . « 4 » بطين : الذي يأكل كثيرا . « 5 » ضربانه : الوجع المستمر .