الجاحظ
141
البخلاء
حديث الخليل قال الخليل : جلس الثوريّ إلى حلقة المصلحين في المسجد ، فسمع رجلا من مياسيرهم يقول : بّطنوا كل شيء لكم فإنه أبقى . ولأمر جعل اللَّه دار الآخرة باقية ، ودار الدنيا فانية . ثم قال : ربما رأيت المبطَّنة « 1 » الواحدة تقطع أربعة أقمصة ، والعمامة الواحدة تقطع أربعة أزر « 2 » . ليس ذلك إلا لتعاون الطي ، وترافد « 3 » الأثناء . فبطنوا البواريّ « 4 » ، وبطنوا الحصر ، وبطنوا البسط ، وبطنوا الغداء بشربة باردة . قال : فقال له الثوريّ : لم أفهم مما قلت إلا هذا الحرف وحده . قال الخليل : حمّ الثوري ، وحمّ عياله وخادمه ، فلم يقدروا مع شدة الحمى على أكل الخبز ، فربح كيلة تلك الأيام من الدقيق ، ففرح بذلك وقال : لو كان منزلي سوق الأهواز أو نطاة خيبر « 5 » أو وادي الجحفة « 6 » ، لرجوت أن استفضل كل سنة مائة دينار . فكان لا يبالي أن يحمّ هو وأهله أبدا ، بعد أن يستفضل كفايتهم من الدقيق . وكان يقول : إذا رأيت الرجل يشتري الجدي رحمته ، فإن رأيته يشتري الدجاج حقرته ، فإن رأيته يشتري الدرّاج « 7 » لم أبايعه « 8 » ولم أكلَّمه .
--> « 1 » المبطنة : الجبّة ، العباءة . « 2 » أزر : قطع من القماش تقويها . « 3 » ترافد : تعاون . « 4 » البواري : مفردها بارية : الحصر المصنوعة من القصب . « 5 » نطاة خيبر : حصن خيبر . « 6 » الجحفة : قرية على طريق المدينة من مكة . « 7 » الدرّاج : طائر من طيور العراق . « 8 » لم أبايعه : لم اجادله ، لم أحاوره .