الجاحظ
140
البخلاء
لوجدتموها سريعة القبول . وقد يأكل الناس القتّ قدّاحا ، والشعير فريكا « 1 » ، ونوى البسر « 2 » الأخضر ، ونوى العجوة « 3 » . فإنما بقيت الآن عليكم عقبة واحدة ؛ لو رغبتم في الدفء لا لتمستم الشحم ؛ وكيف لا تطلبون شيئا يغنيكم عن دخان الوقود ، وعن شناعة السكر ، وعن ثقل الغرم . والشحم يفرّج القلب . ويبيّض الوجه . والنار تسوّد الوجه ؛ أنا أقدر أن أبتلع النوى وأعلفه الشاء . ولكني أقول ذلك بالنظر مني لكم . وكان يقول : كلوا الباقلَّي « 4 » بقشوره . فان الباقلي يقول : من أكلني بقشوري فقد أكلني ، ومن أكلني بغير قشوري فأنا الذي آكله . فما حاجتكم إلى أن تصيروا طعاما لطعامكم ، وأكلا لما جعل أكلا لكم ؟ وكان يعيّن مالا عظيما ، ولم يكن له وارث . فكان يسخر ببعضهم ، فيقول عند الإشهاد : « قد علمتم أنه لا وارث لي ، فإذا متّ فهذا المال لفلان » . فكان قوم كثير يحصرصون على مبايعته لهذا . وقد رأيته أنا زمانا من الدهر ، ما رأيته قط إلا ونعله في يده أو يمشي طول نهاره في نعل مقطوعة العقب ، شديدة على صاحبها . قال : فهؤلاء المجوس يرتعون البصرة وبغداد وفارس والأهواز والدنيا كلها بنعال سندية « 5 » ، فقيل له : إن المجوسيّ لا يستحل في دينه المشرّكة ، فأنت لا تجده أبدا إلا حافيا أو لا بسا نعلا سندية . وأنت مسلم ومالك كثير . قال : فمن كان ماله كثيرا فلا بد له من أن يفتح كيسه للنفقات وللسرّاق ؟ قالوا : فليس بين هاتين منزلة ؟ .
--> « 1 » الشعير الفريك : الشعير المفروك المنقى من الحب . « 2 » البسر : ثمر النخل الذي لوّن ولم ينضج . « 3 » العجوة : التمر الناضج . « 4 » الباقلي : الفول . « 5 » نعال سندية : منسوبة إلى السند وهي نعال خفيفة رديئة .