الجاحظ

137

البخلاء

قبض على القفا فانتزع الجانبين جميعا . فأقبل عليّ فقال : « والسدري يعجبه الإقفاء » ، فما فرغ من كلامه إلا والسدريّ قد اجترف المتن كله ، فقال : « يا أبا عثمان والسدري يعجبه المتون » ، ولم يظن أن السدري يعرف فضيلة ذنب الشّبوط « 1 » وعذوبة لحمه ، وظنّ أنه سيسلم له ، وظن معرفة ذلك من الغامض ، فلم يدر إلا والسدري قد اكتسح ما على الوجهين جميعا . ولولا أن السدري أبطره وأثقله وأكمده وملأ صدره وملأه غيظا لقد كان أدرك معه طرفا ، لأنه كان من الأكلة . ولكن الغيظ كان من أعوان السدري عليه . فلما أكل السدري جميع أطايبها . وبقي هو في النظارة ، ولم يبق في يده ما كان يأمله في تلك السمكة إلا الغيظ الشديد والغرم الثقيل ، ظنّ أن في سائر السمكة ما يشبعه ويشفي من قرمه . فبذلك كان عزاؤه ، وذلك هو الذي كان يمسك بأرماقه « 2 » وحشاشات نفسه . فلما رأى السدري يفري الفريّ « 3 » ويلتهم التهاما قال : « يا أبا عثمان ، السدري يعجبه كل شيء » . فتولَّد الغيظ في جوفه ، وأقلقته الرّعدة . فخبثت نفسه ، فما زال يقيء ويسلح « 4 » . ثم ركبته الحمّى . وصحت توبته وتمّ عزمه ، في أن لا يؤاكل رغيبا أبدا ولا زهيدا ، ولا يشتري سمكة أبدا رخيصة ولا غالية ، وإن أهدوها إليه أن لا يقبلها ، وإن وجدها مطروحة لا يمسّها . فهذا ما كان حضرني من حديث ابن أبي المؤمّل . وقد مات . عفا اللَّه عنا وعنه .

--> « 1 » الشبوط : سمك نهري دقيق الذنب ، عريض الوسط صغير الرأس . والجمع شبابيط . « 2 » إرماقه : حياته . بقية الروح . « 3 » يفري الفري : يلتهم بسرعة ، ولا يبقي شيئا . « 4 » يقيء ويسلح : بدأ يتقيأ . يسلح : يخرج الفضلات من البطن .