الجاحظ

138

البخلاء

قصة أسد بن جاني : فأما أسد بن جاني ، فكان يجعل سريره في الشتاء من قصب مقشّر ، لأن البراغيث تنزلق عن ليط القصب « 1 » ، لفرط لينه وملاسته « 2 » . وكان إذا دخل الصيف ، وحرّ عليه بيته ، أثاره حتى يغرق المسحاة « 3 » ، ثم عليه جرارا كثيرة من ماء البئر ويتوطؤه حتى يستوي . فلا يزال ذلك البيت باردا ما دام نديّا « 4 » . فإذا امتدّ به الندى ودام برده بدوامه ، اكتفى بذلك التبريد صيفته . وإن جف قبل انقضاء الصيف وعاد عليه الحر ، عاد عليه بالإثارة والصب « 5 » . وكان يقول : خيشتي أرض ، وما خيشتي « 6 » من بئري . وبيتي أبرد ، ومؤونتي أخف . وأنا أفضلهم أيضا بفضل الحكمة وجودة الآلة . وكان طبيبا فأكسد « 7 » مرة ؛ فقال له قائل : « السنة وبئة والأمراض فاشية ، وأنت عالم ولك صبر وخدمة ، ولك بيان ومعرفة ، فمن أين تؤتى في هذا الكساد » ؟ قال : « أما واحدة فإني عندهم مسلم ؛ وقد اعتقد القوم قبل أن أتطبّب ، لا بل قبل أن أخلق ، إن المسملين لا يفلحون في الطب . واسمي أسد ، وكان ينبغي أن يكون اسمي صليبا وجبرائيل ويوحنّا وبيرا ؛ وكنيتي أبو الحارث ، وكان ينبغي أن تكون أبو عيسى ، وأبو زكريا ، وأبو إبراهيم ؛ وعليّ رداء قطن أبيض ، وكان ينبغي أن يكون

--> « 1 » ليط القصب : قشرة القصب . « 2 » ملاسته : رقته ولينه . « 3 » المسحاة : المجرفة . « 4 » نديا : رطبا . « 5 » الصب : ما صبّ من طعام أو غيره . « 6 » خيشتي : الواحدة الخيشة . نسيج من الكتان غليظ الخيوط . « 7 » اكسد : لم يقصده زبائن فكسدت بضاعته أو عمله .