الجاحظ
136
البخلاء
والأعشى « 1 » كان أعلم به حيث يقول : وكأس شربت على لذّة وأخرى تداويت منها بها وهذا ، حفظك اللَّه ، هو اليوم الذي كانوا لا يعاينون فيه لقمة واحدة ، ولا يدخل أجوافهم من النقل ما يزن خردلة . وهو يوم سروره التامّ ، لأنه قد ربح المرزئة « 2 » وتمتع بالمنادمة . واشترى مرة شبّوطة وهو ببغداد وأخذها فائقة عظيمة ، وغالى بها « 3 » وارتفع في ثمنها ، وكان قد بعد عهده بأكل السمك . وهو بصري لا يصبر عنه . فكان قد أكبر أمر هذه السمكة ، لكثرة ثمنها ولسمنها وعظمها ولشدّة شهوته لها . فحين ظنّ عند نفسه أنه قد خلا بها ، وتفرّد بأطايبها ، وحسر عن ذراعيه وصمد صمدها ، هجمت عليه ومعي السدريّ « 4 » فلما رآه رأى الموت الأحمر والطاعون الجارف ، ورأى الحتم المقضيّ « 5 » ، ورأى قاصمة الظهر « 6 » ، وأيقن بالشرّ ، وعلم أنه قد ابتلي بالتنين . فلم يلبثه السّدري حتى قوّر السرّة « 7 » بالمبال « 8 » فأقبل عليّ فقال لي : يا أبا عثمان ، السدري يعجبه السّرر « ، فما فصلت الكلمة من فيه ، حتى
--> « 1 » هو ميمون بن قيس لقب بالأعشى لغشاوة كانت على عينه ، واشتهر بالأعشى الأكبر . وسمي صنّاجة العرب « ولد في قرية منفوحة » إحدى قرى اليمامة . ويعتبر في مقدمة شعراء الجاهلية عناية بالخمرة . « 2 » المرزئة : من رزأة : أصاب منه خيرا . « 3 » غالى : بالغ . « 4 » من أصحاب الجاحظ . « 5 » الحتم المقضي : الموت المحتم . « 6 » قاصمة الظهر : قاطعة . « 7 » السرة : مفردها سرة : فنفذ الغذاء إلى الجنين . « 8 » المبال : ما يحمل على البول .