الجاحظ
135
البخلاء
صدرا « 1 » ، أطهر الفتور والتشاغل والتنقّر كالشبعان الممتلىء « 2 » . وهو في ذلك غير رافع يده ولا قاطع أكله . إنما هو النّتف بعد النّتف ، وتعليق اليد في خلل ذلك . فلا بدّ من أن ينقبض بعضهم ويرفع يده ، ربما شمل ذلك جماعتهم . فإذا علم أنه قد أحرزهم واحتال لهم ، حتى يقلعهم من مواضعهم من حول الخوان ، « 3 » ويعيدهم إلى مواضعهم من مجالسهم ، ابتدأ الأكل ، فأكل أكل الجائع المقرور « 4 » وقال : « إنما الأكل تارات والشرب تارات » . وكان كثيرا ما يقول لأصحابه إذا بكروا عليه : لم لا نشرب أقداحا على الريق ؟ فإنها تقتل الديدان ، وتحفش « 5 » لأنفسنا قليلا ، فإنها تأتي على جميع الفضول ، وتشهّي الطعام بعد ساعة . وسكَّره أطيب من سكر « 6 » الكظَّة « 7 » . والشارب على الملأة بلاء « 8 » ، وهو بعد ذلك دليل على أنك نبيذي خالص . ومن لم يشرب على الريق فهو نكس « 9 » في الفتوة ودعي « 10 » في أصحاب النبيذ . وإنما يخاف على كبده من سورة الشراب على الريق ، من بعد عهده باللحم . وهذه الصبحة « 11 » تغسل عنكم الأوضار « 12 » ، وتنفي التّخم ، وليس دواء الخمار إلا الشرب بالكبار .
--> « 1 » صدرا : مقدارا من الطعام . « 2 » أظهر أنه قد شبع والتنقر : هو اللهو بالطعام للدلالة على عدم المبالاة . « 3 » حتى يبعدهم عن مكان الطعام ، ومن حول وعاء الأكل . « 4 » المقرور : الجائع . « 5 » تحفش : تريح . « 6 » سكر : الشرب على الريق . « 7 » الكظة : التخمة ، أو الامتلاء من الطعام . « 8 » والشراب بعد الامتلاء من الطعام ضرر . « 9 » نكس : يخسر ، أو هو مقصر . « 10 » دعيّ : هزيل ، لا يقوى على النجدة . « 11 » يعني الشراب على الريق . « 12 » الأوضار : السموم .