الجاحظ

134

البخلاء

حازم بن خزيمة ، وهرثمة بن أعين « 1 » وكان عنده فيه من الاحتيال ما لا يعرفه عمرو بن العاص ، ولا المغيرة بن شعبة « 2 » ؛ وكان كثيرا ما يمسك الخلال بيده ، ليؤنس الداخل عليه من غدائه ؛ فإذا دخل عليه الصديق له ، وقد عزم على إطعام الزائر الزائرين قبله ، وضاق صدره بالثالث ، وإن كان قد دعاه وطلب إليه ، أراد أن يحتال له ، أو الرابع إن ابتلي كلّ واحد منهما بصاحبه ، فيقول عند أول دخوله وخلع نعله وهو رافع صوته بالتنويه وبالتشنيع : « هات يا مبشّر لفلان شيئا يطعم منه ، هات له شيئا ينال منه ، هات له شيئا » ، اتّكالا على خجله أو غضبه أو أنفته ، وطمعا في أن يقول : « قد فعلت » . فان أخطأ ذلك الشقيّ وضعف قلبه وحصر ، وقال : « قد فعلت » ، وعلم أنه قد أحرز وحصّله وألقاه وراء ظهره ، لم يرض أيضا بذلك حتى يقول : « بأي شيء تغدّيت » ؟ فلا بد له من أن يكذب ، أو ينتحل المعاريض « 3 » فإذا استوثق منه رباطا ، وتركه لا يستطيع أن يترمرم « 4 » ، لم يرض بذلك حتى يقول في حديث له : « كنا عند فلان ، فدخل عليه فلان فدعاه إلى غدائه ، فامتنع . ثم بدا له ، فقال : في طعامكم بقيلة أنتم تجيدونها ، ثم تناوله » : فلا يزال يزيد في وثاقه ، وفي سد الأبواب عليه ، وفي منعة البدوات حتى إذا بلغ الغاية قال : « يا مبشر أما إذ تغدّى فلان واكتفى ، فهات لنا شيئا نعبث به » . فإذا وضعوا الطعام ، أقبل على أشدّهم حياء ، أو على أشدّهم أكلا ، فسأله عن حديث حسن ، أو عن خبر طويل . ولا يسأله إلا عن حديث يحتاج فيه إلى الإشارة باليد أو الرأس كلّ ذلك ليشغله . فإذا هم أكلوا

--> « 1 » هو أحد القادة الشجعان في العصر العباسي . « 2 » هو المغيرة بن شعبة الثقفي ، أحد الصحابة والقواد . « 3 » أي أنه يأتي بأسباب لا صحة لها . « 4 » يترمرم : يظهر حركة .