الجاحظ

116

البخلاء

أرض الدار . ويدّق على الأجذاع والحواضن والرواشن « 1 » ، وإن كانت الدار مقرمدة أو بالاجرّ مفروشة ، وقد كان صاحبها جعل في ناحية منها صخرة ، ليكون الدّق عليها ، ولتكون واقية دونها . دعاهم التهاون ، والقسوة ، والغش ، والفسولة ، إلى أن يدقوا حيث جلسوا ، وإلى ألا يحفلوا بما أفسدوا . لم يعط قط لذلك أرشا « 2 » ، ولا استحلّ صاحب الدار ، ولا استغفر اللَّه منه في السّر . ثم يستكثر من نفسه ، في السنة ، إخراج عشرة دراهم ، ولا يستكثر من رب الدار ألف دينار في الشهر . أيذكر ما يصير إلينا مع قلته ، ولا يذكر ما يصير إليه مع كثرته ؟ هذا والأيام التي تنقض المبرم ، وتبلى الجدّة ، وتفرّق الجميع المجتمع ، عاملة في الدور كما تعمل في الصخور ، وتأخذ من المنازل كما تأخذ من كلّ رطب ويابس ، كما تجعل الرطب يابسا ، واليابس هشيما ، والهشيم « 3 » مضمجلا . ولانهدام المنازل غاية قريبة ، ومدة قصيرة . والساكن فيها هو المتمتع بها « 4 » ، والمنتفع بمرافقها . وهو الذي أبلى جدّتها وذهب بحلاها ، وبه هرمت وذهب عمرها ، لسوء تدبيره . فإذا قسنا الغرم عند انهدامها بإعادتها ، وبعد إبتدائها ، وغرم ما بين ذلك من مرمّتها وإصلاحها ، ثم قابلنا بذلك ما أخذنا من غلَّاتها ، وارتفقنا به من إكرائها ، خرج على المسكن من الخسران ، بقدر ما حصل للساكن من الربح . إلا أن الدراهم التي أخرجناها من النفقة ، كانت جملة ، والتي أخذناها على جهة الغلة جاءت مقطعة . وهذا مع سوء القضاء ، والأحوج

--> « 1 » الرواشن : هي الرفوف الخشبية . « 2 » أرشا : الدية . « 3 » الهشيم : العشب اليابس . « 4 » وردت في بعض النسخ « هو كان المتمتع بها » ولم نر وجها لإضافة « كان » إلى العبارة .