الجاحظ
117
البخلاء
إلى طول الاقتضاء ، ومع بعض الساكن للمسكن ، وحبّ المسكن للساكن . لأن السكن يحب صحة بدن الساكن ، ونفاق سوقه إن كان تاجرا ، وتحرّك صناعته إن كان صانعا . ومحبة الساكن أن يشغل اللَّه عنه المسكن كيف شاء . إن شاء شغله بعينه ، وإن شاء بزمانه ، وإن شاء بحبس ، وإن شاء بموت ، ومدار مناه أن يشغل عنه . ثم لا يبالي كيف كان ذلك الشغل ، إلا أنه كلما كان أشدّ كان أحبّ اليه ، وكان أجدر أن يأمن ، وأخلق لأن يسكن . وعلى أنه إن فترت سوقه أو كسدت صناعته ، ألحّ في طلب التخفيف من أصل الغلة ، والحطيطة مما حصل عليه من الأجرة « 1 » . وعلى أنه إن أتاه اللَّه بالأرباح في تجارته ، والنفاق في صناعته ، لم ير أن يزيد قيراطا في ضريبته ، ولا أن يعجّل فلسا قبل وقته . ثم أن كانت الغلة صحاحا « 2 » دفع أكثرها مقطعة ، وإن كانت أنصافا وأرباعا دفعها قراضة مفتتة « 3 » . ثم لا يدع مزبّقا « 4 » ولا مكحلا ولا زائفا ولا دينارا بهرجا « 5 » ، إلا دسّه فيه ودلَّسه « 6 » عليه ، واحتال بكل حيلة ، وتأتّى له بكل سبب . فإن ردّوا عليه بعد ذلك شيئا ، حلف بالغموس أنه ليس من دراهمه ولا من ماله ، ولا رآه قط ولا كان في ملكه . فإن كان الرسول جارية ربّ الدار أفسدها وربما أحبلها ، وإن كان غلاما خدعه وربما شطر به . هذا مع التشرّف على الجيران والتعرّض للجارات ، ومع اصطياد طيورهم وتعريضنا لشاكيتهم . وربما استضعف عقولهم بالشهوات ، ويفتح لهم أبوابا من النفقات ، ليعيبهم ويربح
--> « 1 » الحطيطة مما حصل عليه من الأجرة : الاقلال منها . « 2 » صحاحا : صحيحة غير زائفة . « 3 » مفتّتة : مقطعة ، مجزأة . « 4 » مزبقا : مطلي بالزئبق للغش . « 5 » دينارا بهرجا : الدينار المطلي بذهب ردئ . « 6 » دلسّه : احتال عليه ، دسّه .