حمزة بن الحسن الأصفهاني
152
تاريخ سني ملوك الارض والانبياء ( ع )
فلما حصلوا لمستودع علومهم أجود ما وجدوه في العالم من المكاتب طلبوا لها من بقاع الأرض وبلدان الأقاليم أصحها تربة وأقلها عفونة ، وأبعدها من الزلازل والخسوف ، وأعلكها طينا وأبقاها على الدهر بناء ، فانتقضوا بلاد المملكة وبقاعها فلم يجدوا تحت أديم السماء بلدا أجمع لهذه الأوصاف من أصبهان ، ثم فتشوا عن بقاعها فيها أفضل من رستاق جي ، ولا وجدوا في رستاق جي أجمع لماراموه من المواضع التي إختط من بعد فيه بدهر داهر مدينة جي ، فجاؤوا إلى قهندز وهو في داخل مدينة جي فاودعوه علومهم ، وقد بقي إلى زماننا هذ وهو يسمى سارويه . ومن جهة هذه البنية درى الناس من كان يأنيها ، وذلك أنه لما كان قبل زماننا هذا سنين كثيرة تهدّمت من هذه المنعة ناحية ، فظهروا فيها على زج معقود من طين الشقيق ، فوجدوا فيه كتبا كثيرة من كتب الأوائل مكتوبة كلها على لحاء التوز ، مودعة أصناف علوم بالكتابة الفارسية القديمة ، فوقع بعض تلك الكتب إلى من عنى به فقراء ، فوجد فيه كتابا لبعض ملوك الفرس المتقدمين يذكر فيه ان طهمورث الملك ، المحب للعلوم وأهلها كان إنتهى إليه قبل الحادث المغربي الذي كان من جهة الجو خبره في تتابع الأمطار هناك وافراطها في الدوام والغزارة . وخروجها عن الحد والعادة ، وإنه كان من أول يوم من سني ملكه إلى أول يوم من بدو هذا الحادث المغربي مائتان واحدى وثلاثون سنة وثلاثمائة يوم ، وأن المنجمين كانوا يخوّفونه من ابتداء ملكه تعدى هذا الحادث من جانب المغرب إلى ما يليه من جوانب المشرق ، فأمر المهندسين بايقاع الاختيار على أصح بقاعه تربة وهواء ، فاختاروا له موضع البنية المعروفة بسارويه ، وهي قائمة الساعة داخل مدينة جي . فأمر ببناء هذه البنية الوثيقة ، فلما فرغ له منها نقل إليها من خزانته علوما كثيرة مختلفة الأجناس ، فحوّلت إلى لحاء التوز فجعلها في جانب من تلك البنية لتبقى للناس بعد احتباس هذا الحادث .