الزركشي
321
البحر المحيط في أصول الفقه
فنقول : إن ذلك يمكن بأن يرسل فيها الآحاد أيضا ولكنه يشير في كلامه إلى البرهان العقلي مما يخبرهم به ممن يكون له فطانة فيتنبه بذلك الخبر إلى ذلك البرهان بطريق العقل ومن لا فطانة له فقد يتعلم على الطول وقد يسافر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليستقصي به ذهنه شرعا . فإن قيل : فهلا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في جميع الأحكام الشرعية فكانت كلها علمية قلنا هذا غير ممكن أما إذا قلنا إن الأحكام لا تعرف إلا بالشرع فظاهر وإن قلنا بالعقل فتكليف الناس الوقوف على براهين جميع الأحكام الشرعية مما يشق جدا ويشغلهم عن الأعمال التي لا بد منها في عمارة البلد فلذلك اكتفى الشارع في هذه الأحكام بالظن فكفت فيها أخبار الآحاد وإشارات البراهين العقلية في الأحكام التي لا بد فيها من اليقين وهي التي يتوقف عليها الإيمان فيتم بذلك تبليغه الناس كلهم جميع الأحكام . تنبيهات الأول : قولهم إنه يوجب العمل قال إمام الحرمين في العبارة تساهل لأن نفس الخبر لو أوجب العمل لعلم ذلك منه وهو لا يثمر علما وإنما وجب العمل عند سماعه بدليل آخر فالتحقيق أنه يجب العمل عنده لا به وهذا سهل . الثاني : أن الشافعي صنف كتابا في إثبات العمل بخبر الواحد وذكر في أوله الحديث المشهور رحم الله امرأ سمع مقالتي فاعترض أبو داود وقال أثبت خبر الواحد بخبر الواحد والشيء لا يثبت بنفسه كمن ادعى شيئا فقيل له من يشهد لك فقال أنا أشهد لنفسي قال الأصحاب هذا الذي ذكره باطل فإن الشافعي لم يستدل بحديث واحد وإنما ذكر نحوا من ثلاثمائة حديث وذكر وجوه الاستدلال فيها فالمجموع هو الدال عليه ثم قال الشافعي بعد ذلك ومن الذي ينكر خبر الواحد والحكام آحاد والمفتون آحاد والشهود آحاد . * * *