الزركشي
320
البحر المحيط في أصول الفقه
قاطعون بعمل السلف والأمة بخبر الواحد وبأن النبي صلى الله عليه وسلم قد ورد منه ما يقتضي العمل بخبر الواحد وهذا القطع حصل لنا من تتبع الشريعة وبلوغ جزيئات لا يمكن حصرها ومن تتبع أخبار النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وجمهور الأمة ما عدا هذه الفرقة اليسيرة علم ذلك قطعا . ا ه . ولنا على وجوب العمل به ثلاثة مسالك : الأول : ما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إنفاذ ولاته ورسله آحادا إلى أطراف البلاد النائية ليعلموا الناس الدين وليوقفوهم على أحكام الشريعة ومن طالع كتب السير ارتوى بذلك . والثاني : ما علم بالتواتر من عمل الصحابة ورجوعهم إليه عندما يقع لهم من الحوادث . والثالث : أن العمل بخبر الواحد يقتضي دفع ضرر مظنون فكان العمل به واجبا لأن العدل إذا أخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر بكذا حصل ظن أنه وجد الأمر وأنا لو تركناه لصرنا إلى العذاب وبهذا الدليل استدل ابن سريج ومتابعوه على وجوب العمل به عقلا . ونقول سبب الاضطرار إلى العمل به أما في الشهادات والفتوى والأمور الدنيوية كالإذن في دخول الدار ونحوها فظاهر فإنه يشق على الناس الرجوع في ذلك ونحوه إلى الأخبار المتواترة ووقوفهم عندها وقد وقع الاتفاق على ذلك بين جميع العلماء . وأما في الأحكام الشرعية فلأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ليعلمها الناس وهو صلى الله عليه وسلم مبعوث لجميع الناس مضطر إلى تبليغ الناس كلهم تلك الأحكام وليس يمكنه ذلك بمشافهة الجميع فلا بد من بعث الرسل إليهم بالتبليغ وليس عليه أن يسير إلى كل بقعة عددا متواترا فلزم بالضرورة أن التبليغ يكون بأخبار الآحاد . ويلزم من ذلك وجوب العمل بها وإلا لم يلزم المبعوث إليهم العمل بما يقوله الرسل فبطل فائدتهم هذا إذا كان أكثر عنه مما يكتفى فيه بالظن . أما ما يطلب فيه اليقين كالعلم بالله وصفاته فإن ذلك لا يجوز العمل فيه بهذه الأخبار لأنها لا تفيد العلم والظن في ذلك غير جائز فكيف يمكن تبليغ هذه إلى الناس كلهم ؟ .