الزركشي
167
البحر المحيط في أصول الفقه
ثم قال : وإنما حمل القائلين بجواز النسخ قبل الفعل مراعاة مذهبهم في المنع من تأخير البيان فأرادوا تصحيح مذهبهم فسموا ما وقع التأخير فيه نسخا لئلا يلزمهم تأخير البيان فعدلوا عن تسميته بيانا إلى النسخ لذلك قال وأول من فعل ذلك القاشاني وقد كان قوله بتأخير البيان أولى ثم وأشبه بمذاهب أهل العلم في جواز تأخير البيان . ثم قال : فإن قلنا بالوجه الثاني فما ذكروه من الأدلة ساقط لأن جميعها نقل من فرض إلى إسقاط والامتنان في جميع ذلك ثابت وإن قلنا بالأول وهو نفي جواز ذلك مطلقا فالجواب عنه أنها كلها نسخ بعد الشروع في الأمر ونحن إنما نمنع من قبل أن يؤتى منه بشيء وقصة إبراهيم أتي فيها بالإضجاع وإمرار السكين والطعن به وكذلك قصة النجوى فقد فعلها بعض الصحابة وقصة الصلاة لا نسميه نسخا لأنه لم يستقر الأمر إلا بخمس وأما قصة الصلح فقال الشافعي إن الصلح كان قد وقع في الرجال والنساء فرد النبي صلى الله عليه وسلم الرجال ومنع من رد النساء وأعطوا الغرض منه فقد استعمل بعد الفعل ونحن لا نمنع وقوع النسخ بعد أن يفعل بعضه هذا خلاصة كلامه . القسم الخامس : أن يدخل وقته فيشرع في فعله لكنه ينسخ قبل تمامه وقد سبق التصريح من كلام أبي إسحاق المروزي بجواز هذه الحالة وقد جعلها الأصفهاني في شرح المحصول من صور الخلاف وقال القرافي لم أر فيه نقلا ولكن مقتضى قولنا الجواز مطلقا ومقتضى قول المعتزلة التفصيل بين أن يقال إذا أتى ببعض المأمور به لا يخلو إما أن يكون المأتي به تحصل به مصلحة أو لا تحصل فإن لم تحصل كما إذا أمر بإنقاذ الغريق يأتي به إلى قريب من الشاطئ وكان الغريق بحيث لا يمكنه السباحة إلى طلوع البر فإن هذه الصورة وأشباهها لا يجوز فيها النسخ وإن حصل بعض المقصود كما إذا أمر بإشباع الجائع وسقي العطشان وإكساء العريان ففعل البعض فإنه