الزركشي

90

البحر المحيط في أصول الفقه

ذلك لا يتلقى من العقل إذ العقل لا يدل على وضع الصيغ والعبارات وإنما يتلقى من جهة النقل وقد استعملتها العرب في جهات كثيرة فدل على أنها مشتركة وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني في كتابه فذهب أئمة الفقهاء إلى أن الأمر له صيغة تدل بمجردها على كونها أمرا إذا تعرت عن القرائن وذهب المعتزلة غير البلخي إلى أنه لا صيغة له ولا يدل اللفظ بمجرده على كونه أمرا وإنما يكون أمرا بقرينة الإرادة . قال وذهب الأشعري ومن تابعه إلى أن الأمر هو معنى قائم بنفس الأمر لا يفارق الذات ولا يزايلها وكذلك عنه سائر أقسام الكلام من النهي والخبر والاستخبار وغير ذلك كل هذه عنده معان قائمة بالذات لا تزايلها كالقدرة والعلم وكان ابن كلاب يقول هي حكاية الأمر وخالفه الأشعري وقال لا يجوز أن يقال هي حكاية لاستلزامها أن يكون الشيء مثل المحكي لكن هو عبارة عن الأمر القائم بالنفس . قال وعلى هذا فلا خلاف بيننا وبينهم في المعنى لأنه إذا كان الأمر عندهم هو المعنى القائم بالنفس فذلك المعنى لا يقال إنه له صيغة أو ليست له صيغة وإنما يقال ذلك في الألفاظ ولكن يقع الخلاف في اللفظ الذي هو عندهم عبارة عن الأمر ولا دالا على ذلك بمجرد صيغته ولكن يكون موقوفا على ما بينه الدليل فإن دل الدليل على أنه أريد به العبارة عن الأمر حمل عليه وإن دل الدليل على أنه أريد به العبارة عن غيره من التهديد والتعجيز والتحقير وغير ذلك حمل عليه ثم احتج الشيخ أبو حامد على أن الأمر له صيغة كقوله تعالى : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون قال ففي هذه رد على من يقول لا صيغة للأمر حيث قال إنما أمره فجعل أمره كن وهي صيغة وفيها رد على القائلين إن الأمر يتضمن الإرادة فإن الآية فيها الفصل بين الإرادة والأمر قال إنما أمره إذا أراد . قال والدليل المعتمد لأصحابنا أن أهل اللغة الذين نزل القرآن بلغتهم يفرقون بين صيغة الأمر والخبر وغير ذلك من أقسام الكلام . وقال المازري ذهب الأشعري وجماعة من المتكلمين إلى القول بالوقف وحكي عن الشافعي لأنه قال في قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم لا يستدل بها على إيجاب العقد وعلى ولي المرأة لتردد الأمر بين الإيجاب والندب لكن الواقفية اختلفوا في حقيقة الوقف هل هو وقف جهالة بما عند العرب أو وقف عارف بما عندهم وهو كون هذا اللفظ مشتركا بين المصارف الآتية