الزركشي
215
البحر المحيط في أصول الفقه
عمومه إذ لا يظهر لوجوب اعتقاد عمومه فائدة إلا العمل به فعلا أو كفا فلو قيل قاتلوا الكفار أو اقتلوهم واعتقدنا عمومه وجب علينا العمل بموجبه في قتالهم حتى يأتي المخصص وإن لم يكن الأمر هكذا لم يكن لوجوب اعتقاد عمومه فائدة . والصواب أن الخلاف ثابت في الحالين وممن نصب فيهما الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع فقال هل يجب اعتقاد عمومها والعمل بموجبها قال الصيرفي يجب الأخير وقد سبق توهم إمام الحرمين تخصيص النقل عنه بذلك . وقال بعض شراح اللمع يجب اعتقاد عمومها في الأزمان والأعيان بلا خلاف وهل يجب اعتقاد عمومها والعمل بموجبها قبل البحث عن المخصص فيه الوجهان وأيضا فالكل متفقون في النقل عن الصيرفي أنه يجب اعتقاد عمومه ومع الجزم بالعموم يستحيل أن لا يجوز التمسك به فكيف يستقيم نقل الإجماع في منع التمسك به وكيف تجعل مسألة اعتقاد العموم غير مسألة جواز التمسك به هو لازمه وهذا مما لا يعقل وأيضا القول بجواز التمسك به أولى وأظهر من وجوب اعتقاد عمومه ثم حين ظهور المخصص يتغير الاعتقاد فإنه مذهب ضعيف أغلظ إمام الحرمين القول فيه بسببه بخلاف العمل بالعام ابتداء فإن له وجها وجيها . قال الأصفهاني في شرح المحصول هما مسألتان إحداهما قبل مجيء وقت العمل والحق فيها ما اختاره إمام الحرمين أن العموم ظاهر والعمل مقطوع به وثانيتهما عند وقت العمل به وهي مسألة الغزالي والحق فيها ما اختاره . والذي يتحصل من كلامهم أنه لا يجوز الهجوم على العمل بمقتضى العموم دون البحث عن المخصص وأما الخلاف المحكي عن الصيرفي وابن سريج فهو حكم مقتضى العموم ابتداء ويعتمد على ظهور التخصيص ابتداء والخلاف في العام في إجرائه على عمومه وفي الخاص في إجرائه على حقيقة واحدة فمن أوجب الاستقصاء عن المخصص أوجب البحث عن المقتضى بحمل اللفظ على المجاز . وهكذا جعل الهندي خلاف الصيرفي قبل حضور وقت العمل به قال فإن حضر وقته وجب العمل به إجماعا لكن مع الجزم بعدم المخصص عند جمع كالقاضي ومع ظنه عند آخرين كإمام الحرمين وابن سريج والغزالي وهو الأولى انتهى . وقد سبق أن الصيرفي والجمهور أطلقوا النقل عنه من غير فرق بين حضور وقت العمل به أم لا ونقله الإجماع في الحالة الثانية لا يستقيم لما سيأتي من كلام ابن الصباغ .